"6" المنهج النبوي في التبشير وتحفيز أبناء الأمة الإسلامية " الجزء الثاني "
5) التذكير الدائم بالهدف :
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن ما يتعرض له أصحابه من محن وابتلاءات ، وحروب شرسة من الأعداء المتربصين بهم ، ومن طوابير أهل النفاق المخذلين ، يمكن أن ينسي الهدف الذي رسمه لهم ، ويمحو معالم الرؤية المستقبلية المشرقة للإسلام من قلوبهم وعقولهم ، فيترتب على ذلك ضعف في إراداتهم ، ويشعرهم بالياس من الخروج من هذه الأزمات المتتالية ، ولذلك فقد كان دائم التذكير بهذه الرؤية المستقبلية للإسلام ، وبالغاية العظمى الآخرة وتحقيق مرضاة الله والتي تشكل الرؤية النهائية لأهل الإسلام ، وجعل دون الوصول إليها أهدافا مرسومة واجبة التحقيق حتى يصل المسلم إلى هذه الغاية العظمى ، وهذا ما جعل جنود الإسلام يقاتلون ببسالة من أجل تحقيق هذا الأهداف ، وشكل ذلك سببا قويا في رفع الروح المعنوية لديهم فقاتلوا صابرين محتسبين .
فها هو صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على الجهاد ويذكرهم بهذه الغاية العظمى ، مما أثر على معنويات من معه ،فجعلهم يبذلون أنفسهم رخيصة في سبيل نصرة دين الله ، ويرون الحياة طويلة حتى يأكل صاحبها تمرات في يده ، فقد جاء من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :
( .... فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ ) ، فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ) .
قَالَ : يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ؟ ، قَالَ : ( نَعَمْ ) ، قَالَ : بَخٍ بَخٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ ) ، قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا ، قَالَ : ( فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا ) ، فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ، ثُمَّ قَالَ : لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ ، قَالَ : فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ ) .
أخرجه مسلم برقم :1901، وأبو داود برقم:2617، وأحمد في المسند:3/136 137 ، والحاكم :3/426 ، والبيهقي في السنن:9/43 .
وهاهو يذكر عمر بن الخطاب الذي دمعت عيناه حزنا على أوضاع المصطفى صلى الله عليه وسلم المعيشية في بيته ، بينما ملوك الفرس والروم يتنعمون بالترف والمتع الدنيوية ، فيذكره صلى الله عليه وسلم بأن هذه الدنيا فانية زائلة قائلا له : أفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا .
أخرجه مسلم برقم:1479
6) قدرته العظيمة على تحريك الناس نحو صورة الإسلام المستقبلية :
لقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم من الفراسة في الرجال ، والقدرة على معرفة المفتاح المناسب لكل شخصية تقابله ، ما لم يؤتاه أحد سواه ، ولذلك فإننا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان الأقدر على فهم دخائل نفوس الآخرين ، والدخول إلى أعماقهم ، فيحرك كوامن المحبة له في قلوبهم ، ثم يحركهم باتجاه تحقيق الهدف الذي رسمه ، وتحقيق الصورة المستقبلية المنشودة ، ومن الأمثلة الرائعة في هذا الباب مع حصل للنبي صلى الله عليه وسلم مع ثمامة بن أثال الحنفي سيد بني حنيفة ، حيث استطاع صلى الله عليه وسلم فهم مشاعره ، فأطلق سراحه حين أسره المسلمون ، فتحول ثمامة من مبغض شديد البغض للإسلام وللنبي صلى الله عليه وسلم إلى محب شديد الحب لهما ، ثم لا يقف عند هذا الحد بل ينطلق في الدفاع عن الإسلام وتحقيق أهدافه إلى أبعد مدى .
فقد جاء عَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ َقَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ : ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ فَقَالَ : عِنْدِي ، يَا مُحَمَّدُ ، خَيْرٌ ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ ، فَقَالَ : مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ قَالَ : مَا قُلْتُ لَكَ ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى كَانَ مِنْ الْغَدِ ، فَقَالَ : مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ فَقَالَ : عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ ، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، يَا مُحَمَّدُ ، وَاللَّهِ ، مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ ، فَمَاذَا تَرَى ؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ : أَصَبَوْتَ ؟ فَقَالَ : لَا وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلَا ، وَاللَّهِ ، لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم .
أخرجه البخاري برقم:4372، ومسلم برقم:1764 .
ولقد أحسن اللواء محمود شيت خطاب رحمه الله حيث قال : كان عليه أفضل الصلاة والسلام يعرف أصحابه معرفة دقيقة مفصلة ، وكان يعرف ما يمتاز به كل صحابي من مزايا تفيد المحتمع المسلم الجديد ، كان يستغل تلك المزايا لخير هذا المجتمع ، وللمصلحة العامة العليا للمسلمين .
ولم يقتصر فهم الآخرين عند الرسول على معرفة أصحابه فقط ، بل كان عارفا بنفسيات أعدائه ، فها هو يرى الحليس بن علقمة بن كنانة فيقول :هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن ، فابعثوها له ، ويرى مكرز بن حفص فيقول : هذا مكرز وهو رجل فاجر ، ولما رأى سهيل بن عمرو قال : قد سهل لكم من أمركم .
وكان في الوقت نفسه يدرك ما يعانيه كل صحابي من نواقص طبيعية ، وكان يتغاضى عن تلك النواقص ، ويغض النظر عنها ، ويحاول تقويمها وتلافي محاذيرها ، وكان يذكر أصحابه بأحسن ما فيهم من مزايا ويشيد بها ، ويأمر أصحابه بالتغاضي عن نواقص إخوانهم ، والإشادة بما فيهم من مزايا تقديرا وإعجابا . قادة النبي :ص13
وهذه القدرة على الفهم العميق للآخرين تحتاج إلى الشعور بهم ، وتلمس المفتاح المناسب لكل واحد منهم ، ثم تفجير ما عنده من طاقات وقدرات في سبيل تحقيق الهدف المرسوم ، والصورة المنشودة ، وتحريك الناس باتجاه الوصول إلى الغاية ، فها هو صلى الله عليه وسلم يقوم بذلك وهو يحدد أبرز قدرات أصحابه حيث يقول فيما جاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :
( أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيٌّ ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ) .
أخرجه الترمذي برقم:3790،3791، وابن ماجة برقم:155 والحديث صحيح .
ولقد كان صلى الله عليه وسلم يستعمل مع كل واحد من أصحابه ما يناسبه من عوامل التشجيع والتحفيز حتى كان يستعمل الحوافز المادية مع بعضهم كما جاء في توزيع الغنائم يوم حنين ، واستعمل الحوافز المعنوية مع الأنصار في غزوة حنين ، واستعمل الفخر والشهرة مع أبي سفيان في فتح مكة ، حين قال : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن .
واستعمل أسلوب العقاب بشكل لا يستفز الشخص المعاقب للثأر ،عندما عزل سعد بن عبادة يوم فتح مكة ، وعين مكانه ابنه قيس بن سعد بن عبادة.
( وكان عليه أفضل الصلاة والسلام بهذا الأسلوب الرائع الذي التزم به في كل حياته المباركة يشيد بالمزايا وينتفع بها لخير المسلمين ، ويغض الطرف عن النواقص ويقومها بالحسنى .
بهذا الأسلوب الرائع كان النبي صلى الله عليه وسلم يبني المسلم ولا يحطمه ، ويقوم المعوج ولا يكسره ، ويشيد للحاضر والمستقبل ، لا للحاضر وحده ولا للساعة التي هو فيها .
لقد كان عليه الصلاة والسلام لا يبقي المزايا في أصحابه طاقة معطلة ، بل ينتفع بها لمصلحة المجتمع الجديد ، وهذا يجعل طاقات أصحابه المتميزة تتضافر لشد أزر الأمة وتقويتها ودفعها نحو النصر والبناء .
وكان عليه الصلاة والسلام يعرف كفاءات أصحابه وقابلياتهم حق المعرفة ، فلم تُغمط كفاءة ،ولم يهمل صاحب كفاءة ، وأضيفت التجربة العملية على تلك الكفاءات ، فصقلت ولمعت ،ووضع كل رجل من ذوي الكفاءات المتميزة في المكان المناسب لكفاءته ).قادة النبي :ص13
تعليق