«خشيت أن تقول فرقت..» .
الخميس، 12 نيسان 2012
السبيل
د. صلاح الخالدي
كتب الأستاذ فهمي هويدي مقالاً في صحيفة السبيل قبل أيام بعنوان «أخطأ الإخوان» أشاد فيه بموقف حركة النهضة في تونس التي «قبلت بعدم الإشارة إلى مرجعية الشريعة الإسلامية» في الدستور التونسي، وأشاد بكلام أحد قياديها عندما برر ذلك بقوله: «نحن حريصون على وحدة شعبنا، ولا نريد شروخاً في المجتمع».
وانتقد «هويدي» موقف الإخوان في مصر من انتخابات الهيئة التأسيسية لكتابة الدستور، حيث هيمنوا عليها هم والسلفيون باعتبارهم أغلبية، مما دفع العلمانيين إلى الانسحاب من اللجنة، وتهديد المجلس العسكري للإخوان.
ولست في هذا المقال في معرض تقييم موقف الإخوان من لجنة كتابة الدستور، وهل هو خطأ أم صواب - ولا أدري ما تعليق الأستاذ فهمي هويدي على ترشيح الإخوان خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية، وهل سيعتبره خطأ أم انتحاراً للجماعة وتفريقاً للشعب المصري - كما أنني لست في معرض الحديث عن موقف حركة النهضة في تونس!!
إنما أهدف في هذا المقال إلى بيان خطأ الأستاذ هويدي في اعتماده على القرآن في الإشادة بحركة النهضة، وتقرير خطأ الإخوان.
ذكر الأستاذ فهمي هويدي موقف هارون عليه السلام من قومه في عبادتهم العجل أثناء غيبة موسى عليه السلام عنهم، حيث سكت هارون عنهم حرصاً على وحدتهم وعدم تفريقهم. قال في المقال: «تحضرني في هذا السياق قصة وردت في القرآن الكريم تحدثت عن النبي موسى عليه السلام، حين غاب عن قومه، وتركهم في عهدة أخيه هارون، وفي غيبته انحرف سلوك القوم حتى عبدوا العجل، وحين عاد النبي موسى وفوجئ بما جرى؛ فإنه نهر أخاه واشتبك معه، وذكر النص القرآني أن هارون قال: }يا ابنَ أمّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل..{.. وهي القصة التي أبرزها الدكتور يوسف القرضاوي في حديثه عما أسماه (فقه الموازنات والأولويات).. ذلك أن هارون سكت على إقدام قومه على الشرك من دون الله، حرصاً على وحدتهم، بمظنة أنه إذا ما ضغط عليهم ليعودوا إلى عبادة الله؛ فسوف ينفرط عقدهم ويتشتت شملهم، ومن ثم فإنه وازن بين حالة الشرك العارضة، وبين وحدة القوم التي تعد قيمة استراتيجية بلغة زماننا، فإنه قدم الوحدة باعتبارها مصلحة كبرى، وسكت على الشرك تجنباً للفتنة، وهي الحجة التي قبل بها النبي موسى ولم ينكرها عليه..» ا. هـ.
هكذا إذن! النبي هارون عليه السلام رأى قومه يشركون بالله، ويعبدون العجل، فأجرى موازنة شرعية: هل ينكر عليهم شركهم، وبذلك يفرق كلمتهم، أم يسكت على ذلك الشرك حفاظاً على وحدتهم! فخرج بالحل الثاني. ولذلك سكت على الشرك تجنباً للفتنة وتقديماً للوحدة الوطنية على العقيدة الدينية.. فهل كان هارون عليه السلام بهذه الموازنة «براجماتياً» - بلغة زماننا - وسكت عن المنكر، وتخلى عن الإنكار، اهتماماً بالوحدة الوطنية على حساب الحقائق الدينية كما يفعل البراجماتيون من حركة النهضة في تونس، ومن بعض الإخوان المسلمين في مصر!!
ما هكذا تُفهم قصة هارون عليه السلام مع عبادتهم العجل يا أستاذ هويدي، وإن كان هذا هو رأي الدكتور القرضاوي كما نسبت أنت إليه فقد أخطأ فيما قال، وفهمك يا أستاذ فهمي لهذه القصة خطأ كبير، ودلالتك التي خرجت بها من الحادثة دلالة باطلة وخاطئة.
لا يجوز بالمنطق الإيماني الصحيح تقديم ما يسمى بالوحدة الوطنية على الحقيقة الإيمانية، ولا يجوز السكوت عن الشرك بالله من باب الحرص على الوحدة الوطنية، على اعتبار أن هذه الوحدة الوطنية قيمة إستراتيجية مقدمة على الدين والإيمان والتوحيد.. ومن ثم لا يجوز اعتبار الدين أو الحركة أو العمل الإسلامي من أسباب تفريق كلمة الأمة، وشرخ وحدة أبناء المجتمع، كما يقول البراجماتيون المعاصرون من بعض الكتاب والدعاة الإسلاميين.
هارون عليه السلام لم يسكت على عبادتهم العجل حفاظاً على وحدتهم، وإنما أنكر عليهم ونهاهم، وكان كلامه معهم واضحاً صريحاً محدداً دقيقاً فاصلاً. أين أنت يا أستاذ هويدي من قوله تعالى: }ولقد قال لهم هارون من قبل: يا قوم إنما فُتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري، قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى..{ (طه: 90 - 91).
أرجو يا أستاذ فهمي أن تعيد قراءة الآيتين أكثر من مرة، لتعرف خطأ قولك: «إن هارون سكت على إقدام قومه على الشرك حرصاً على وحدتهم..{، وتعرف خطأ قولك: «فإنه قدّم الوحدة باعتبارها مصلحة كبرى، وسكت على الشرك تجنباً للفتنة»!!
والذي أنكره عليه موسى عليه السلام؛ هو عدم انفصاله بالمطيعين لله، وعدم لحوقه به، وعدم اتباعه، أي أن موسى عليه السلام كان يفضّل أن ينفصل هارون بالعابدين لله عن عابدي العجل، ولكن هارون آثر أن لا ينفصل عن عابدي العجل، وأن لا يعتزلهم، بانتظار قدوم موسى عليه السلام ليحكم فيهم، وكان الصواب في موقف هارون في عدم مفارقتهم، أما الإنكار عليهم ونهيهم وذمهم لشركهم؛ فقد صدر عن هارون صريحاً بنص القرآن السابق.
ونتابع مع الأستاذ فهمي ما جرى بعد قدوم موسى عليه السلام، ماذا فعل موسى بالذين عبدوا العجل؟ طرد السامري الشيطان من القوم. ألا يتعارض هذا مع الوحدة الوطنية؟
ثم أمر المطيعين لله أن يقتلوا عابدي العجل! قال تعالى: }وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم» (البقرة: 54).. أين هذا القتل من تقديم الوحدة الوطنية؟
يا قوم أحسنوا فهم آيات القرآن، ولا تحرفوا معانيها!
الخميس، 12 نيسان 2012
السبيل
د. صلاح الخالدي
كتب الأستاذ فهمي هويدي مقالاً في صحيفة السبيل قبل أيام بعنوان «أخطأ الإخوان» أشاد فيه بموقف حركة النهضة في تونس التي «قبلت بعدم الإشارة إلى مرجعية الشريعة الإسلامية» في الدستور التونسي، وأشاد بكلام أحد قياديها عندما برر ذلك بقوله: «نحن حريصون على وحدة شعبنا، ولا نريد شروخاً في المجتمع».
وانتقد «هويدي» موقف الإخوان في مصر من انتخابات الهيئة التأسيسية لكتابة الدستور، حيث هيمنوا عليها هم والسلفيون باعتبارهم أغلبية، مما دفع العلمانيين إلى الانسحاب من اللجنة، وتهديد المجلس العسكري للإخوان.
ولست في هذا المقال في معرض تقييم موقف الإخوان من لجنة كتابة الدستور، وهل هو خطأ أم صواب - ولا أدري ما تعليق الأستاذ فهمي هويدي على ترشيح الإخوان خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية، وهل سيعتبره خطأ أم انتحاراً للجماعة وتفريقاً للشعب المصري - كما أنني لست في معرض الحديث عن موقف حركة النهضة في تونس!!
إنما أهدف في هذا المقال إلى بيان خطأ الأستاذ هويدي في اعتماده على القرآن في الإشادة بحركة النهضة، وتقرير خطأ الإخوان.
ذكر الأستاذ فهمي هويدي موقف هارون عليه السلام من قومه في عبادتهم العجل أثناء غيبة موسى عليه السلام عنهم، حيث سكت هارون عنهم حرصاً على وحدتهم وعدم تفريقهم. قال في المقال: «تحضرني في هذا السياق قصة وردت في القرآن الكريم تحدثت عن النبي موسى عليه السلام، حين غاب عن قومه، وتركهم في عهدة أخيه هارون، وفي غيبته انحرف سلوك القوم حتى عبدوا العجل، وحين عاد النبي موسى وفوجئ بما جرى؛ فإنه نهر أخاه واشتبك معه، وذكر النص القرآني أن هارون قال: }يا ابنَ أمّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل..{.. وهي القصة التي أبرزها الدكتور يوسف القرضاوي في حديثه عما أسماه (فقه الموازنات والأولويات).. ذلك أن هارون سكت على إقدام قومه على الشرك من دون الله، حرصاً على وحدتهم، بمظنة أنه إذا ما ضغط عليهم ليعودوا إلى عبادة الله؛ فسوف ينفرط عقدهم ويتشتت شملهم، ومن ثم فإنه وازن بين حالة الشرك العارضة، وبين وحدة القوم التي تعد قيمة استراتيجية بلغة زماننا، فإنه قدم الوحدة باعتبارها مصلحة كبرى، وسكت على الشرك تجنباً للفتنة، وهي الحجة التي قبل بها النبي موسى ولم ينكرها عليه..» ا. هـ.
هكذا إذن! النبي هارون عليه السلام رأى قومه يشركون بالله، ويعبدون العجل، فأجرى موازنة شرعية: هل ينكر عليهم شركهم، وبذلك يفرق كلمتهم، أم يسكت على ذلك الشرك حفاظاً على وحدتهم! فخرج بالحل الثاني. ولذلك سكت على الشرك تجنباً للفتنة وتقديماً للوحدة الوطنية على العقيدة الدينية.. فهل كان هارون عليه السلام بهذه الموازنة «براجماتياً» - بلغة زماننا - وسكت عن المنكر، وتخلى عن الإنكار، اهتماماً بالوحدة الوطنية على حساب الحقائق الدينية كما يفعل البراجماتيون من حركة النهضة في تونس، ومن بعض الإخوان المسلمين في مصر!!
ما هكذا تُفهم قصة هارون عليه السلام مع عبادتهم العجل يا أستاذ هويدي، وإن كان هذا هو رأي الدكتور القرضاوي كما نسبت أنت إليه فقد أخطأ فيما قال، وفهمك يا أستاذ فهمي لهذه القصة خطأ كبير، ودلالتك التي خرجت بها من الحادثة دلالة باطلة وخاطئة.
لا يجوز بالمنطق الإيماني الصحيح تقديم ما يسمى بالوحدة الوطنية على الحقيقة الإيمانية، ولا يجوز السكوت عن الشرك بالله من باب الحرص على الوحدة الوطنية، على اعتبار أن هذه الوحدة الوطنية قيمة إستراتيجية مقدمة على الدين والإيمان والتوحيد.. ومن ثم لا يجوز اعتبار الدين أو الحركة أو العمل الإسلامي من أسباب تفريق كلمة الأمة، وشرخ وحدة أبناء المجتمع، كما يقول البراجماتيون المعاصرون من بعض الكتاب والدعاة الإسلاميين.
هارون عليه السلام لم يسكت على عبادتهم العجل حفاظاً على وحدتهم، وإنما أنكر عليهم ونهاهم، وكان كلامه معهم واضحاً صريحاً محدداً دقيقاً فاصلاً. أين أنت يا أستاذ هويدي من قوله تعالى: }ولقد قال لهم هارون من قبل: يا قوم إنما فُتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري، قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى..{ (طه: 90 - 91).
أرجو يا أستاذ فهمي أن تعيد قراءة الآيتين أكثر من مرة، لتعرف خطأ قولك: «إن هارون سكت على إقدام قومه على الشرك حرصاً على وحدتهم..{، وتعرف خطأ قولك: «فإنه قدّم الوحدة باعتبارها مصلحة كبرى، وسكت على الشرك تجنباً للفتنة»!!
والذي أنكره عليه موسى عليه السلام؛ هو عدم انفصاله بالمطيعين لله، وعدم لحوقه به، وعدم اتباعه، أي أن موسى عليه السلام كان يفضّل أن ينفصل هارون بالعابدين لله عن عابدي العجل، ولكن هارون آثر أن لا ينفصل عن عابدي العجل، وأن لا يعتزلهم، بانتظار قدوم موسى عليه السلام ليحكم فيهم، وكان الصواب في موقف هارون في عدم مفارقتهم، أما الإنكار عليهم ونهيهم وذمهم لشركهم؛ فقد صدر عن هارون صريحاً بنص القرآن السابق.
ونتابع مع الأستاذ فهمي ما جرى بعد قدوم موسى عليه السلام، ماذا فعل موسى بالذين عبدوا العجل؟ طرد السامري الشيطان من القوم. ألا يتعارض هذا مع الوحدة الوطنية؟
ثم أمر المطيعين لله أن يقتلوا عابدي العجل! قال تعالى: }وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم» (البقرة: 54).. أين هذا القتل من تقديم الوحدة الوطنية؟
يا قوم أحسنوا فهم آيات القرآن، ولا تحرفوا معانيها!

تعليق