رواية ....الرخام الأسود

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • رواية ....الرخام الأسود

    المشاركة الأصلية بواسطة وليد اللورد مشاهدة المشاركة
    ليش الانسه بده تحترف فى التنس


    ههههههههههههههههه
    التعديل الأخير تم بواسطة صمت البشر; الساعة 11-11-2011, 07:31 PM.

  • #2
    بداية اسمح لي أن أرحب بك في منتدى الوحدات نت ,,, وفي القسم الادبي صاحب الأقلام الذهبيه
    حقيقه مقتضب جميل جدا على الرغم من اني لم أكمل القراءه ,,,

    تعليق


    • #3
      مشكوووووووووووووووووووور

      تعليق


      • #4
        المشاركة الأصلية بواسطة سماح عاطف مشاهدة المشاركة
        بداية اسمح لي أن أرحب بك في منتدى الوحدات نت ,,, وفي القسم الادبي صاحب الأقلام الذهبيه
        حقيقه مقتضب جميل جدا على الرغم من اني لم أكمل القراءه ,,,

        .....................................
        سماح عاطف
        أشكرك على الترحيب و الثناء الحسن .
        أشكرك على هذا الحضور الذي زين النص و أطرب النفس و رفع هامتنا
        تحياتي و تقديري
        التعديل الأخير تم بواسطة صمت البشر; الساعة 11-11-2011, 06:21 PM.

        تعليق


        • #5
          المشاركة الأصلية بواسطة البلوي مشاهدة المشاركة
          مشكوووووووووووووووووووور
          ............................

          الشكر كله لك على هذه الاطلالة الجميلة

          تعليق


          • #6
            الفصل الثاني





            دخل كريم الى غرفة خضراء ، لا تزال صورتها فوق الطاولة تحتفظ بتلكالابتسامة النابعة من عمق البراءة ، تتحدى الراهن ،تملأ بنظرتها فضاءالنفس ، أخذها ينظر اليها بعيون الشوق الهمعة ، تعيده الى سن الطفولة ،الى قهقهتها ،غنجها ،دلعها ، صوتها الجميل و هي تنشد ، رقطاتها ،تمايلاتهاو هي تمشي ، كيف كانت تجري و تختفي خلف الأثاث و تحت الأسرة ، كانت تملأالبيت بالحياة ،حتى العمة نونة اخترقت سكونها ، و كانت تقطف من ثغرهاالابتسامات ، عندما كان يضربها ، تبكي ، فاذا صاح كالديك وانفظ بدراعيهغلبها الضحك ، فتمتزج في محياها الدمعة بالسرور ، لترسم أجمل و أروع صورةللبراءة و التسامح ، فاذا سألوها من ضربها تقول باستحياء و خبث ...ضربنيزوجي ...فيضحك الجميع ...
            لا يزال يذكر كل التفاصيل ، كانت تكبر بسرعة ، تشكلت فيها مظاهر الأنوثةالحالمة ، كأنها وردة تتفتح كل يوم أكثر و تزداد جمالا ...بعد المراهقةبدأ يكتسحها الشرؤد من حين الى حين ، و أمست تحب الاعتزال ، ازدادت جمالاواختفت حيويتها واندثرت قهقهتها و غارت بسمتها ...لا تعرف الفراغ ، منالثانوية أو معهد الشيه الطبي الى المطبخ ، أول من يقوم من النوم هي و آخرمن ينام ، تخدم الجميع ، تهتم بالجميع ، و لا يذكرها أحد ، ما رأى أمهيوما حضنتها أو أرفقت بها ، في حين كانت أخته ثورة مثل الأميرة ، الآمرةفي كل شيء ، أطيب الأكل اليها و أجمل اللباس لها ، وحدها لها الحق فيالنزهة و السفر و الذهاب الى البحر و المخيمات الصيفية ...خضراء لا تطلبشيئا ... الغريب في الأمر أنها لا تشتكي أبدا ، حتى عندما تمرض تختفي ،ولا من يسأل عنها ، وحده هو يذهب اليها و يشتري لها الدواء ، في عيدميلادها هو وحده أيضا الذي يقول لها عيد ميلاد سعيد ، و يقدم لها هدية ،كان بهذا يستعيد لها شيئا من بسمة زمان ممزوجة بدموع أخرى ، تأخذها و تجريكالطفلة الى غرفتها ، الشيء الوحيد الذي كانت تحافظ عليه هو مظهرها ، رغمبساطة ملابسها ، كانت تظهر كعارضة أزياء ، تؤجج نار الغيرة في ثورة التيكانت مثل السلك ،بيضاء بلقاء و حديدية الوجه ، صورة طبق الأصل للأم بلسانأطول و أحد ، توقفت عن الدراسة في الطور الابتدائي لغياباتها المتكررة وتستر ألأم عنها فطردوها ...
            الصمت هنا سيد الموقف ، لأن السكون يروي قصيد مآثر خضراء ، ينشدها الوجدانو يعزف لحنها ألم الفراق على ايقاع الزفرات المتتالية ...آآآه و آآآه ..لقد أخذت معها كل معاني الفء و نبضات الأمل ، حتى الساعة توقفت متحديةمسيرة الزمن لتسجل أثر ما كان هنا . لم تأخد من أمتعتها شيئا و هي في مقامالعزاء ...فتح الدولاب ،ملابسها مطوية على الرفوف و معلقة ، كانت خياطةبارعة و طباخة ماهرة ، يتصورها في كل بدلاتها ، رشيقة القد ممشوقته ،واسعة العينين ، طويلة الرقبة ، ناهدة الصدر ، ضيقة الخصر ....يوم جاءتبها أمه ، كان لا يزال طفلا ، استغرب لكونها سوداء ، يهز بها المهد و يشدلها الرضاعة ، يساعده على ذلك عمي المبروك بامبرا ، صديق العائلة ، يمزحدائما و يقول ، أنا اليوم شريك معكم بخضراء ، كان هذا الكلام يربك الأمويتلون وجهها ، ما شعر بانسحابه من العائلة وانقطاع زياراته التي كانتيومية أنذاك ... و تبادرت الى ذهنه فكرة ..و من يدري لعلها تكون عنده ، أويكون عل علم مكان وجودها ، فخرج مسرعا ...
            عمي المبروك رجل أسود ،طويل ، عريض الصدر ، بيضاوي الرأس ، أبيض العينين ،و اسع الفم ، عريض الأنف ، صغير الأذنين ...اجتمعت في وجهه علامات الشقاء، تغطيها الطيبة و براءة الأطفال ، سهل المراس ، لين الاندماج، طليقاللسان كثير التنكيت ، بارع في رواية الأساطير و كرامات الأولياء والصالحين ، هكذا كان ريحا مرسلة بكلماته الطيبة طوال حياته ، عندما يتكلمعن نفسه كأنه يسلخ ذاته أو يجلدها و هو يبتسم ، انه الهم الذي يضحك ...
            لما دخل كريم عليه كان جالسا ، فقام اليه و أجلسه في مكانه و هو يغمرهبالترحيب و يحتويه بتلك الابتسامة اللطيفة التي تبعث في النفس الارتياح والأنس ، كان عمي المبروك يحضر شاي المساء ، تراه و كأنه الفنان أو الساحر، يمارس حركات تحت تأثير الهام روحاني لصناعة متعة الفرجة في تحضير الشاي ...
            جلس أمام ضيفه و واصل عمله بنفس الوتيرة دون اهمال حفاوة الاستقبال و كرمالضيافة ، هذا الهدوء زرع في نفس كريم بدرة أمل ، فأسرع يفرغ جعبته مرةواحدة و دون مقدمات ...
            كريم : هربت خضراء يا عمي مبروك ..
            المبروك و بكل هدوء : أعرف ذلك
            كريم: أين هي ؟..
            المبروك : أردت أن أقول لك ، كنت أنتظر ذلك ، كثر عليها الضغط ، مسكينةخضراء ، لا ظهر لها و لا عصا ، كأنها غصن طفيلي في شجرة وجب قطعه ، صدقأبوك لما يسميها اليابسة ، لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي جاءت بها أمك ، حزفي نفسي سؤال و لم أجرأ ، لماذا جاءت بهذه السوداء المسكينة ، كان يظهر ليانذاك تافها ، قالوا أنها وضعت مخلوقا مشوها و مات ، فعوضوها بهذه السوداء، وكتموا عنها ذلك حتى استعادت عافيتها فاخبروها بالحقيقة ، لم تتقبل فيأول الأمر ، الا أن معاملتها لها كانت عكس ذلك ، و الأغرب كانت ترتحصنها بحنو الامومة الحانية ، كنت أحب خضراء كثيرا كأنها ابنتي ، أحن اليها وأذهب اليها كل يوم ، و من كثرة اهتمامي بها شعرت بنمو بذرة البغض و الكرهعند سترة أمك اتجاهي ، و لم يهدأ لها بال حتى دبرت مكيدة ، و أحدثت ،سامحها الله القطيعة بيني و بين الحاج ، فأسمعني ما لم أكن أتوقعه منه ،عيرني و هددني ، فانقطعت صيلتي بكم .. كبرت خضراء و توظفت في المستشفى حيثكنت أعمل بوابا ، و تجددت صلتي بها ، فكانت لا تفارقني ، تمنيت أن أخطبهالابني رابح ، لكنني خشيت ردة فعل الحاج ، و صارحتني بتعلقها بك ...كانتتحبك كثيرا ،بقاؤها الى اليوم كان بسببك ، تحملت من أجلك الكثير ولكن ..

            كان كلامه يقرع قلب كريم قرعا ، و حف المجلس بهيبة الاخلاص و عظمة الوفاء و صدق التضحية ... كان العطاء كبيرا حتى أعجز الوفاء على مجاراته ، واستصغر كريم كل مواقفه ،و طابت الجلسة واشتد الحنين ، و تدفقت الذكريات كمياه الشلال الباردة تغسل الظن من الشك ، وكانت جرعات الشاي تنزل ساخنة ، تشق في طريقها مهجة الصدر ..
            كريم: كأني غريب في هذا البيت ، يحدث كل هذا و لا أحد يعلم !!...
            المبروك: انها أرسرار البيوت يا بني ، للنساء فيها شؤون و للرجال خلفيات ...وفي رأي لا تحاول ، لن تصل الى شيء أبدا ..خضراء عقدة القدر لا يعرف حلها الا الله
            كريم: لا أستطيع يا عمي ، البحث عنها أصبح بالنسبة لي ضروري و أكيد ، ينتابني شعور غريب و أريد أن أكتشف هذا المجهول الذي يدفع الحدث ، أتمنى فقط أن لا تكون قد انتحرت
            المبروك: لا أتوقع هذا ، انها أقوى بكثير
            كريم: هل يمكنها ان تذهب الى الخارج مثلا ؟
            المبروك : الذي أعرفه أن ذهابها لم يكن ارتجالي
            كريم: استسمحك ، أتركك بخير
            المبروك: ماذا حدث ، لا بد و أن هناك قطرة أفاضت الكأس
            كريم: نعم يا عمي المبروك ، طعنت أمي بخنجر
            المبروك : لا !!.. أبدا غير ممكن ، لم تفعلها ، و لا أصدق ..
            كريم: انها الحقيقة رأي العين
            المبروك: أبدا ، هناك سر خلف الحدث ، خضراء لا تقتل حتى الذبابة ..
            كريم: انها الحقيقة المؤلمة يا عم ، و لهذا أنا مقيد و لا أستطيع أن أغامر الآن ، أرجوك لا تفشي هذا السر حتى لا يسمعه أهل القرية فينقلب كل شيء
            المبروك : أبدا ..أبدا .. ليتني أستطيع أن أفعل شيئا ..
            ذهب كريم و عاد المبروك يبحث عن الحلقة المفقودة ، يسترجع تفاصيل الماضي و مكائد سترة ، حتى ما تساقط منها على هامش المواجهات ...كانت الغرفة واسعة ، مفروشة بالزرابي الصحراوية الحمراء ، بعض الوسائد من الصوف بيضاء كأنها خراف جميلة هنا و هناك ، على الجدار صورة للكعبة الشريفة ، حلم ما أستطاع تحقيقه ، فوقها ساعة قديمة من عهد والده ، تنبهه كلما مر من العمر نصف ساعة ، تتزاحم الذكريات في عمقه و تصارع الابتسامات الكآبة على وجهه ، هو كذلك ذهبت زوجته مرغمة ،توفيت منذ أربع سنوات بالرغم من هذا لا يزال يصنع لأحفاده الفرحة من ألمه و وحدته ، يحكي لهم همومه المضحكة ،أراد أن يقول لكريم الحقيقة ، لكنه أدرك أن الزمن قد تجازها ، و ربما تفسد أكثر مما تصلح و لا تساعد في شيء ، فكتمها ، و من يدري ربما يأتي القادم بنفخ في الحدث جديد ..شق عليه وضعه .
            في طريقه الى البيت ، كان كريم مبعثر الأفكار ، يهدده اليأس من جهة ، و يدفعه العزم الى خوض المغامرة ، يحاول أن يجمع ما استطاع من حصى لتمهيد الطريق الذي يوصله الى ما وراء الحدث...ما أقساك يا أمي خلف ذلك الستار .
            دخل يجر ذيل الخيبة ..
            الأب : أين قضيت يومك ، ما رأيتك طوال النهار
            كريم: أبحث عنها
            الأب : تتحداني يا كريم ؟..أم هي السذاجة التي ستورطك ...كم أنت أحمق و مغفل ، يا بني لو كانت اليابسة تحبك كما تدعي، ما كانت لتفارق البيت أبدا ، و حتى لو عثرت عليها اليوم ، كيف تثبت براءتها أمام الناس ؟..أين هي الآن ؟.. لقد أصبحت من بنات الشارع
            كريم في نفسه : و متى كان للبائسة أب أو أم ، منذ عرفتها و هي تدفع ثمن خطيئة الآخرين ..
            ثم قال : الغائب حجته معه ، و من يدري يا أبي يمكن أن يكون قد أصابها مكروه أو انتحرت ...الغضب أوله جنون و آخره ندم
            الأب : لا زلت تعيش بالنية الحسنة ، بنات الليل كألسنة الحمير يأكلن الشوك بلذة ..
            نظر كريم الى أبيه وكأنه يراه لأول مرة ، يحاول الولوج أكثر الى ذخيرة الشر في ذاته ...
            كريم : لا علاقة للزمن بهذه الأمور
            الأب :المرأة كالدجاجة تطعمها كل العام ولا تشبعك ليلة ، هكذا قال جدك يرحمه الله
            كريم : على كل حال ، أمي ليست كذلك
            الأب: أمك من نساء زمان ، كن أمانة في أعناق الرجال ، أما اليوم المرأة حبل فيعنق الرجل ، هذه الأصيلة ، أما اللقيطة مثل اليابسة فحدث ولا حرج
            كريم: رغم هذا لا تزال المرأة هي الأم والأخت والزوجة و.... وليست خضراء كل النساء وليست النساء كلهن خضراء
            الأب: أشغل نفسك بما هو أهم ، واترك هذه التفاهات ، أستاذ مثلك على أبوابالمستقبل ومحامي في مقتبل العمر ينتظره الكثير : لما كنت في سنك رغم جهلي ..
            وبدأيعيد سرد حكايات مغامراته وتحايلاته وحيله ، حينها كان كريم قد انتقل الىعالم الافتراضات يحاول الوصول الى المجهول في كل طرح ، وفهم الأب أن ولدهلم يعد يستمع اليه فسكت ..وساد الصمت ، فتنهد كريم ، وقام مستترا بابتسامةمجزاة ، وترك الوالد يجتر في نفسه أيام شبابه وزهوه ، يلعن كعادته شيبتهوضعفه وهوان أمره ونواهيه ، يلعن وجوده على الهامش بدعوة الحفاظ على صحته، وهو يعرف أنه لم يبق فيه الا اللسان السليط ، ولكن لا يهم كما يقولالمثل ، أقلقهم فقط حتى لا ينامون .. وقبل أن يخرج التفت اليه قائلا
            كريم : عمي المبروك يبلغك السلام
            الأب : المبروك ؟!
            كريم: نعم ، عمي المبروك بامبرا
            الأب: أسود القلب لا يتحرك الا في الظلام ... خفاش ، لاشك أنه هو من أفسدها
            كريم : ما علاقته بها ؟ ولو كان الأمر كذلك لذهبت عنده
            الأب : أنت لا تعرف هذا الصنف من البشر ، يحرقون البيت ، ويبكون مع صاحبه
            كريم: هكذا اذا ، هي علاقة أطفال ؟ هذا كان صديق الأسرة ، كنا نعده عما لنا ،شاركنا المسرات والمكاره ، أنا لم أر فيه ما ينافي الأخلاق الفاضلة ، وقداستقبلني بحفاوة بالغة ، كان أطيب ما يكون
            الأب: طيب الله لحمه بالنار ، كاد يحطم أسرة بكاملها لولا فطنة أمك
            كريم : ماذا فعل ؟
            الأب : لا تحاول
            كريم : عمي المبروك ؟!
            الأب: لا بارك الله فيه وأعماه
            كريم: لم نسمع بهذا
            الأب: قلت لك لا تحاول
            خرجكريم وهو يحاور الأنا ولاتزال خيوط الماضي تتعقد ، وهذه الأسرار جزأهاالقدر وعسر جمعها ، وفكك الحدث ووضع في كل منعطف نفسي سببا يبرر خلفياتسكوت ضاعت دوافعها ، ولا أظن أن السؤال هو مفتاح هذه الأبواب الموصدة .. ينظر الى أخته ثورة من بؤر الذاكرة بقدر ماضاقت عينيها بقدر ما ضاقتبصيرتها تتطاير منها شرارات الكره محرقة ، الأم كأنها تمثال نحت من الصملا تؤثر فيه فصول الذوات ، باطنه كظاهره ، يتعامل مع الجميع برطوبته وبريقظاهره ، العمة حية تسكن دهاليز البيت تتلون بلون الحدث ولا تقول شيئا ،انها العلبة السوداء ، حتى ترتيب الأثاث وألوان والستائر والصور علىالجدران كانت تصنع نوعا من القلق وكأن اليد التي مرت من هنا كانت تخفيوراء كل لمسة سر ، ووراء كل شيء ظن ، هذا البيت العتيق من عهد المعمرينتجاوز المائة سنة تظنه لا يزال يحتفظ بظل أصحابه الى اليوم ، تزرع التنافرلتفرض وجودها في وسط هؤلاء الأحياء لتنتقم ، كأننا لسنا نحن ، كم من مرةتحدث بعض الخوارق يستحي أحدنا أن يعيدها ، خوفا من اتهامه بالجبن أوالجنون ، نسر بها الى بعضنا البعض حتى يعرفها الجميع ولا يذكرها أحد .. عندما ننزل الى القبو وكأننا في قبر ، يشعر الداخل كأنه يعيش تلك الأفلامالمرعبة التي تسيل العرق البارد في البدن ، نستعجل الخروج متسائلين ماذاحدث هنا ؟ .. غريب ، كثيرة هي خبايا الحدث بين أفراد أسرة لا يتجاوز عددهمأصابع اليد ، رغم كل الفضول ، لا نزال نجهل الكثير ... هكذا حتى وجد نفسهأمام غرفة مكتبه ، كانت العمة نونة في آخر الرواق فاختفت ، لم يراها منذليلة الحادث ...
            دخل، جلس على حافة المكتب ليواصل ذلك المنولوج ، الا أن الحبل الذي كان يربطهبفلسفة هذا الاكتظاظ انقطع مرة واحدة ووجد نفسه يدور في دائرة مفرغةحلقاتها من صنع الصمت الذي يحاصر هذا البيت ، الشيء الوحيد الذي يخشاهالانسان عندما يخوض أي مغامرة أو يريد أن يرفع أي تحد هو عامل الصمت ، لأنوراء كل سكون عاصفة كما يقول المثل ...
            يعود الى حديث أبيه عن المبروك وعن خضراء ، يستحظر تلك العدوانية التي تمكنت من نفسه اتجاههما
            -ماذا تريد أن تجني من امرأة أنتجتها الخطيئة ؟
            -ماذا سيقول الناس عنا ؟
            -ماذا تنتظر من امرأة خبيثة الا ثمار خبيثة !
            -المفروك ، لابارك الله فيه وأعماه !
            -ذلك الأسود ، أسود القلب !
            -انها اللعنة التي لا تزال تطاردنا !
            كانتهذه الكلمات تتردد في عمق كريم كأنها انفجارات لألغام قديمة زرعتها النياتالمبيتة لتفجير ما تبقى من الحقيقة ... تذكر العمة نون فقام يبحث عنها ،في آخر الرواق كان سلم الطابق العلوي ، صعد ، في آخره نافذة تطل علىالحديقة ومدخل البيت ، حيث كانت تقضي العمة أكثر وقتها ، هنا لا يأتي أحد، لا الأب ولا الأم ، مرض الروماتيزم وأوجاع الظهر تحول دون المغامرة ،وثورة لها كل ما تريد في الجناح الأرضي ، بل أكثر من ذلك هي من سمت العمةنونة بالشبح ، انهما لا تتواجدان في مكان واحد أبدا ، تقول لهم دائما لويموت أبي سأطردها شر طردة ، عندما تسمعها نونة تضحك ملأ فاها ، ثم تنظراليها بمقت قبل أن تنصرف ، تقول لها دائما. . سنرى من ؟ ..
            ذهب الى غرفتها يدق ، لا أحد يرد ..
            كريم : عمتي ! عمتي .. ! عمتي ..!
            ولماهم بالانصراف ، هاهي ذي قادمة من هناك ، من منعطف الرواق المظلم ، لعلهاتكون قد تعمدت هذا الظهور المفاجئ من حيث لا ينتظرها أحد ، فتحت دخلت ،شرعت أبواب النافذة وعادت ، أشارت اليه فدخل ... كانت صورة الجد بينالنافذتين أمامه ، بشنبه الطويل وعمامته المبرومة كرزمة حبل فوق رأسه ،برداء قياد فرنسا والسوط في يده ، جوارب حمراء ووسام الشرف الفرنسي علىصدره تزينه الأعلام ...
            تدفعشفته السفلى العليا ، ترفعها كهامته في كبرياء وعزة ،بجانبه كلب صيد أبيض، هناك واحد يشبهه ، يا سبحان الله ، كأنه هو ، و لكن لا يذكره ، يحاول ...غير ممكن ،على كل لا يهم ، سيفكر فيه من بعد ..






            نسي أنه رأى هذه الصورة بالذات ، على اليمين طاولة من خشب اللوز منقوشة ، أمامها مقعد خشبي بني ، فوقها مرآة كبيرة جميلة ، على يساره سرير ، فوقه صورة صياد بكلابه وبندقيته ينظر الى سرب من الطيور ، ثورية من نحاس ، دولاب كبير يملأ الجدار نقش على الطراز القديم ، هذه الأثاث كلها ، لا يزال يذكرها ، جمعتها العمة نونة في هذه الغرفة ،تركها المعمر الآسباني و كانت في غرفة جده ، صندوق عرائس من الطرازالعربي القديم قيل أنه للجدة يرحمها الله ، متحف يطيل عمر الذاكرة ، جلس على الكرسي ، نظر اليها ويبتسم ..

            كريم : لا تزال عمتي تعيش على الزمن الماضي دنيا زمان ، لا شك أن جدي كان يحبك كثيرا ، فأنت الآن تعيشين على ذكراه ، يقول المثل .. عز البنت الا مع أبيها وعندما تفقده عيشها يمرار ... منذ عرفتك وأنت في عزلة كم أتمنى أن أعرف وصية جدي لك ، قال أبي أنك على هذه الحال منذ قتل جدي ، قتله أعراب من أولاد جرجر أمامك من أجل الجزية لفرنسا ، قاتله هجر الى المغرب ولم يعد .. لا زلت تحتفظين بآخر كلماته.. لا يشبهه منا أحد ، اني لأستحي لما أتذكر أن جدي كان عميلا لفرنسا ، خائن أمته ...
            قامت ، وقفت أمام الباب وأشارت اليه بالخروج ، ولما قام أدارت وجهها ، خرج وترك الباب مفتوحا ، أحس أنه وضع أصبعه على الجرح .. وقف أمام السلم قليلا ، لم تغلق الباب بعد ... نزل ولا شك أنها لا تزال واقفة في مكانها ، هل هي بداية تدفق الذاكرة ؟! ومن يدري ؟!
            عاد الى الصالون وجلس ، أحس بالتعب ، استوى ... ارتخى ، يستمع الى نبضات جسمه ، أغمض عينيه ، فنام .. فتح عينيه ... وجدها قادمة
            ثورة: تنام نوم النملة ، أجهدت نفسك يا أخي ولا تزال ، العرق دساس كما يقولون ، والعار عيب على الوجه، يتحدى أيام العمر كلها ، فماذا تريد من دخيلة السوء ، ألا تدري من أي معدن صنعت ، هذه أشياء لا يتسامح فيها الناس ، بهذا تثبت أنك ناقص مروءة
            كريم: هل هي التي اختارت أن تكون كذلك ؟
            ثورة : وأين ذنبنا نحن ؟
            كريم : مادامت هكذا لماذا جاءت بها أمك ؟
            ثورة:قال أبي كانت ظروفها قاهرة ، وكادت أمك تفقد صوابها عندما منعوها من رؤية ما أنجبت ، فكانت خضراء الحل الأسرع والأنسب
            كريم: فسروا لها التشوه بالسواد
            ثورة: هكذا قال أبي ، رغم هذا تأسفت و أصابها احباط ، عاشت مرحلة خطيرة جدا ،رامتها
            بصعوبة، و من الفاجعة ما وجدت في ثديها حليب ، لأن الصدمة كانت كبيرة ولم تصدق ، وبعد أن صارحوها كانت خضراء كابوسا ولعنة تطاردها في النوم واليقظة ، زادت حدتها مع مرور الزمن .
            كريم: اختلط عندها الحب بالكره ، هكذا كانت تقول دائما ، حسبي الله في المفروك ، تريد المبروك ،كأنه هو من نصح بها ، ثم كانت أمك عنصرية يا ثورة ، هل تعرفين السبب ؟ لأن أجدادك الأوائل كانت خادماتهم سودوات ، كانوا يعاملوهن بقساوة ، انه تواصل الباطل بين الأجيال ...
            ثورة : أبدا ، ليس في الوجود أرحم من أمي ، تبكي لأتفه الأسباب ، طيبة تحاصرها الشفقة من كل جهة ، ولولا تسامحها وطيبتها ما كانت تحملت خضراء الى هذا الحد
            كريم: أين العيب في خضراء ؟
            ثورة : أمي تعرفها أكثر منا جميعا ، هي أقرب الناس اليها ، لا يمكن أن تكرهها بدون ذنب ، مستحيل ، وهل كل شيء يقال ؟
            كريم : أكاد أكره كل النساء بما فيهن أمي ، فقد بدأ الشك يساورني حتى في نزاهتها وصون شرفها ، ألا يمكن يا ثورة أن تكون خضراء ...
            فقاطعته ثورة : اياك ، واياك ، لا تحاول ، أمك أشرف من كل نساء العالم
            كريم: لا ، لا ، أنا أقصد ، بل أريد أن أقول أن وراء خضراء هذه سر كبير ، اني أحاول أن أجمع الشتات والمعلومات حولها ، الا أن لبنات القصة تتنافر وتتناثر قبل بلوغ المراد ، كلما اكتشفت شيئا تعمق معناه والسر لا يزال يخفي السر فأين الحقيقة ؟
            ثورة: لا تحاول يا أخي ، هذه طفلة معقدة الأطوار والماضي ، انها لغز منذ ولادتها وستبقى كذلك ، لا تحاول ، لقد عقدها القدر ، من الأفضل لك أن تهتم بما يستحق منك الاهتمام ، انك تضيع وقتا ثمينا من حياتك
            كريم: لن أرتاح حتى أصل الى حل عقدة هذا اللغز
            ثورة: أنت وشأنك ، لكن ما هو مؤكد أنك لن تجد ما يسرك ، ان مزبلة الماضي انتن مما تتوقع
            كريم: هل أنت خائفة ؟
            ثورة: ولماذا أخاف ؟ يكفي أني متيقنة أنها ليست أختي
            ضحك كريم وقال : تخافين على الميراث ، ذهب أمك ومجوهراتها ، والأرض والمحلات و ...
            ثورة : لم أكن أتصور أنك تافه الى هذا الحد ، وبتصرفك هذا ستدفعني الى اغتيالك في نفسي ... أنت .. أنت ..
            كانت الشرارات تتطاير من عينيها ، وتصلبت أطرافها وظهرت أسنانها كأنها تشد بها على رقبته ...
            فقام ، نظر اليها جيدا وكـأنها تحمل كل عيوب الدنيا ، ثم عاد باشمئزاز الى مكانه وقال لها :
            هيا ، اذهبي ...
            ثورة: وبعد ، لا أريد أن تشاركني في أمي وأبي لقيطة سوداء
            كريم: قولي ، في مال أبي و أمي ، هيا انصرفي خير لي ولك ....
            فذهبت بغصتها ، تذكر جده والسوط في يده ، انها لا تشبهه الا في الخلق ، الشيء الذي هو متأكد منه أنه رأى شبيه جده ، ولكن أين ، لا يذكره ، كان جميلا جدا حتى تقول أن أمه من جميلات فرنسا ، يقال عنه أنه كان زير نساء ، يمكن أن يكونوا قد قتلوه من أجل امرأة ، ولم لا ، ماضي عائلتنا مليء بالتناقضات وأول ضحية هي الحقيقة ، ومن كانت ترد طلب القائد آنذاك ، وأي قائد ...
            شغلته قصة خضراء عن التحضيرات لفتح مكتبه الجديد ، لقد أدى القسم الأسبوع الماضي وتم تعيينه محاميا لدى المحكمة ، انه الآن الأستاذ كريم .. العباءة السوداء والمحفظة ، انه الآن من المدافعين عن الحق ، المنقبين عن الحقيقة ... يبتسم ، ما أعظمها مهمة لو لم يشوهوها ... كان كريم طويلا لا يعاب وعريضا حد البسطة ، ليس بالجميل الذي يفتن ، ولا بالغليظ الذي ينفر ، اجتمعت في شخصيته الهيبة والطيبة وحسن السلوك ، يعرف كيف يقول الحق وكيف يزهق الباطل بعيدا عن التكلف والتلفيق ، جديته في الدراسة ساعدته على التحكم في سير النقاش ، أبهراللجنة يوم ناقش رسالته ، يتميز بثقة كبيرة في نفسه ، وقرر أن يذهب بعيدا ربما الى منظمة حقوق الانسان العالمية ، ولم لا ... انه العلم والطموح ... هل خضراء هي الباب الأول الذي سيدخل منه الى عالم التحريات ومطاردة الحقيقة ؟ ربما .. انه الآن وسط الدوامة وهو عامل فعال من عواملها ، الى أن يصل اليه أول موكل ، وهذا ليس غدا فسيتفرغ كليا لذلك ، والسؤال المحوري الذي لم يجد له جواب ، لماذا تريد أمه التخلص من خضراء ؟ ولا تريد أن يتذكرها أحد ، نشر صورتها في الجرائد وتبليغ الشرطة عنها هي فضيحة لكل العائلة في وسط هذا المجتمع الذي لا يرحم ، انه شرف العائلة الذي ولا شك ان انتهك ستقتل العصبية العمياء الأب الذي يعاني من عدة أمراض ، السكري ، والقلب ، انها الصفعة التي تضع النهاية له ، وسيقول الجميع وخاصة الأعراب من قبيلتهم ، ذل الحاج ، وقتله ابنه بكلام المدارس ، فماذا أنت فاعل يا كريم ؟ قال الأب ، خضراء سافرت ، هكذا يجب أن يطوى الملف نهائيا ، انها أعظم جريمة يفتتح بها مسيرته القانونية ، ويخون قسمه ، فأين الضمير يا كريم .. ذلك هو الحق يجب أن نضحي من أجله بالباطل حتى ولو كان النفس والنفيس ، مثله مثل الحرية لا يقبل الشريك ولا يحتمل التزوير ... أصبحت خضراء همه الوحيد ، يهيم بها شوقا ، يدخل الى غرفتها كل ليلة ، يجلس ، يستمع الى حديث أشيائها ،ويحمله معه حيثما أرتحل وحل ، وبدأت غمامات الحزن والأسى تغمر البيت ، وكيف لا وكريم هو الولد الوحيد ، ولي عهد الحاج وحامل اسمه والمحافظ على بقائه وخلود ذكره ، وبدأ يعتزل ، ويغيب عن مواعيد الطعام وموائد والسهرات ، مقيد لا يستطيع أن يفعل شيئا ... غارت ابتساماته يقاوم تدفق العبرات وتصلبت عضلات وجهه ، لأن البكاء في عرفهم للنساء ، ونحيب الرجال آهات وتأوهات ، الشيء الوحيد الذي كان يشغله هو تفانيه في عمله ودفاعه عن المظلومين ، أولئك الذين وكلوه للدفاع عنهم ، فكان يرافع ليرفع عنهم ما استطاع من جور وظلم وهضم الحقوق ، يجد راحته في ذلك ، ويتدمر عندما يخسر قضية وراءها رشوة ،أحيل عدة مرات أمام لجنة التأديب لانتفاضه أمامي القاضي عندما تنتهك حرمة القانون ، وتمر بعض الأحكام تحت ابتسامات القضاة ، لحماس هذا الشاب وايمانه بقداسة القانون ، يعجبون به كثيرا ويتمنون له مستقبلا زاهرا ، وذاع صيته واشتد القيد على معصميه أكثر وعندما تعاوده الذكرى ، يذهب الى عمي المبروك لعله ينتزع منه بعض الخفايا ، الا أن المبروك يعرف ذلك ، فكان يتحفظ كثيرا ويحول دائما مجرى الحديث ...
            كان في غرفة المكتب دائما كعادته يسهر الى ساعة متأخرة من الليل ، وقبل أن ينام ، يمر على غرفتها تنتعش الذكريات ويتجدد الحدث في ذاته ...
            دخلت دون اذن ، جلست أمامه ، لم يرفع رأسه ، لا يزال منهمكا في ترتيب ملفاته ، قال:
            مرحبا أمي ، لم تنامي بعد ؟
            الأم: وكيف لي أن أنام وأنت في هذه الحالة ؟ هجرتنا ، وجردتنا من الفرحة بك وافتخارنا بك ، وألزمتنا الحزن والآه ، أبوك يئن تحت وطأة تصرفاتك ، يخشى عليك ويخشى أن تتهور وتكشف المستور ، فتضيع هيبتنا ويزدرينا الناس ونتحول أحاديث دنايا القوم وأراذلة القبائل وصعاليكها ، واليوم أنت في العلا يحسب لنا بك ألف حساب ، ما وجدت من وسيلة أواسيك بها سوى أن أعرض عليك فكرة الزواج ، يمكن أن تجد فيها البديل ، بل الأفضل ، ألا تظن أن خضراء انتهى أمرها وأصبحت ذكرى وأثرا لشبح مر من هنا ؟ .. ارحم نفسك يا بني ، أنت لأفضل منها أفضل ، لماذا تريد أن تنزل بالسلالة الى هذا الحضيض ، ما ركع جدك ولا أبوك أبدا ولا ركب الدنايا ، قتل جدك لتصلبه وأنفته وعزته وتحديه الجميع ، وأنت اليوم أكبر ، فأعرض عن هذا واترك الزمن كفيل بتغيير مجاري الحياة ، ان ما نحن عليه اليوم ما توقعناه من قبل أبدا ، كنا نراك وأنت صغير سيد القوم وحكيم الديار ونافذا في السلطة وابن النظام ، فاذا أنت اليوم محام تملأ القضاء همة ، حتى قالوا ، عندما يتكلم الأستاذ كريم وكأن الطير على رؤوس الجميع ، وهذه الهيبة ماصنعتها لك دراستك فقط ، بل هي ميراث وتواصل الأجيال ، كلهم يعرفون ابن من أنت يا كريم ، وما فائدة هذه القراية التي لا تعرفك بنفسك وتنزلك منزلتك ، هؤلاء كلهم أكلوا وشربوا من خيراتنا ، أكرمنا الجميع وساعدنا الجميع ، أينما يدخل أبوك يرفع في الباب وتفتح له الصدور ، يقضي حوائجه ويخرج معززا مكرما ... هناك في البادية لا يتحرك الأعراب الا باشارته ، كل القبيلة تدين له بالولاء ، هو الذي لم يجلس يوما على مقعد ، باستثناء ما قرأه من قرآن في الكتاب وحفظ بعض الأحزاب ، وكان يرافق جدك لكتابة بعض تقارير الأهالي ، فتعلم الكثير ، انها العزة التي نشأت فيها ، فكن في المستوى ...
            كان كريم يستمع الى أمه وهي تعيد للمرة الألف مغامرات زوجها ومآثره
            كريم: يا أمي ، يا أمي ، كل شيء تغير الا أنت وأبي ، الناس يطيعونكم لأنكم اشتريتم ذممهم ، واكتشفتم أسرارهم ، وتعرفون عنهم مالا يعرفه غيركم ، انه ولاء الخوف يا أمي ، الخوف من الفضيحة ، الخوف من السجن ، الخوف من تصفية الحسابات ، ان نفوذ أبي هو الذي صنع له هذا المجد المزيف وسيزول يوما ونظهر جميعا على حقيقتنا .. المهم لقد تأخر الوقت يا حبيبتي ، غدا نتكلم في الأمر ، أما الآن فهيا بنا الى النوم ، أرافقك الى غرفتك ، ادخلي بهدوء حتى لا يستيقظ أبي
            الأم: لا .. أبدا ، لن أخرج من هنا الا بكلمة فصل ! .. يا بني ، يا بني ، أحرقت كبدي والقلب ينزف جرحك ، غير ممكن يا كريم أرتاح وأنت في هذه الحالة ! وكأنك لا تعرفنا ولا نعرفك ، أغيرتك السوداء الى هذا الحد ؟ ، حتى أصبحت تكرهنا !! ، أمن أجل امرأة يا كريم تعاقب والديك وتنتقم منهما ؟ عيب يا كريم ، انها خوارم المروءة وابتذال الشهامة ، أم أنت تمثل علينا لنرحم زلتها ؟ أبدا يا كريم لا تحاول ، خضراء هجرتنا هجر السوء ، لا نريد أن نجاهر به حتى لا نفضحها ونفضح أنفسنا ، وأقول لك أحسن ما فعلت ، و أكيد أنها لن تعود حتى لو وجدناها وحاولنا ذلك .. فابحث عن غيرها ..
            كريم: سأفكر يا أمي ، ارتاحي الآن ، زواج الدوام يجب التفكير فيه عام ، كما يقول المثل ..
            قامت ، دارت حول المكتب ، وضعت يدها على كتفيه تعانقه ، وفاضت العبرات تتكركب كحبات البرد وهي تقول :
            أرجوك يا كبدي ، لا تخذلني ، أتمنى أن أرى ولدك قبل أن أرحل ، انني أقاوم للبقاء والمرض هتك حرمة صحتي ، اني أعاني .. نعم أعاني .. سأموت يا كريم ، وستذكر هذه اللحظة بالذات ...
            استوت واقفة ، نظرت اليه ،أراد أن يقوم فأشارت اليه فرجع ، انصرفت ، وغلقت الباب وراءها
            أحس كريم بقشعريرة في كامل جسده ، سأموت يا كريم .. سأموت يا كريم ... فزعت كل المدارك ونفخ شعور غريب في نفسه .. فداك نفسي يا أمي ، فداك نفسي ...



















            الفصل الثالث

            تعليق


            • #7
              أهلاً وسهلاً بك أخي الكريم في المنتدى الأدبي في منتديات الوحدات نت ...
              لي عودة ان شاء الله بعد أكمل هذه الرواية لأتناقش معك في حيثياتها التي تبدو في غاية التشويق ...

              تعليق


              • #8
                المشاركة الأصلية بواسطة صمت البشر مشاهدة المشاركة
                أهلاً وسهلاً بك أخي الكريم في المنتدى الأدبي في منتديات الوحدات نت ...
                لي عودة ان شاء الله بعد أكمل هذه الرواية لأتناقش معك في حيثياتها التي تبدو في غاية التشويق ...

                ........................................ .............

                صمت البشر
                أشكرك على هذا الترحيب و أشكرك على حسن المتابعة .
                ابق بالجنب اني قادم بما هو أجمل ان شاء الرحمن
                تحياتي و تقديري
                مختار سعيدي

                تعليق


                • #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة مختار سعيدي مشاهدة المشاركة

                  ........................................ .............

                  صمت البشر
                  أشكرك على هذا الترحيب و أشكرك على حسن المتابعة .
                  ابق بالجنب اني قادم بما هو أجمل ان شاء الرحمن
                  تحياتي و تقديري
                  مختار سعيدي

                  اسلوبك شدني للغاية ... تملك اسلوب فذ للغاية ...
                  قرات جزءاً كبيراً من الفصل الاول ..لا أدري كم اعتصرني الالم وأنا اضع تصورات لقصة تلك الفتاة اللقيطة ..حتى دمجك لاسماء عربية ومن ثم فرنسية ..رغم اني شعرت بتيه في بعض الاحيان الا انك ترسم واقع قذر نعيسه نحن وقاتم للغاية وربما يبقى عند بعض الناس اسمه رخام ..وشيء راقي لكنه رخام اسود مثل قلوبهم

                  تعليق


                  • #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة صمت البشر مشاهدة المشاركة

                    اسلوبك شدني للغاية ... تملك اسلوب فذ للغاية ...
                    قرات جزءاً كبيراً من الفصل الاول ..لا أدري كم اعتصرني الالم وأنا اضع تصورات لقصة تلك الفتاة اللقيطة ..حتى دمجك لاسماء عربية ومن ثم فرنسية ..رغم اني شعرت بتيه في بعض الاحيان الا انك ترسم واقع قذر نعيسه نحن وقاتم للغاية وربما يبقى عند بعض الناس اسمه رخام ..وشيء راقي لكنه رخام اسود مثل قلوبهم

                    ........................................ .....
                    صمت البشر ...أيها الفاضل

                    شهادة أعتز بها و أفتخر , اشكر الله على تواجد رجل يحب الله و يحب الرسول في متصفحي ، لأنني واثق أن مثلك لا يجامل على أي حساب .
                    تقبل تحياتي و تقديري
                    مختار سعيدي

                    تعليق


                    • #11
                      الفصل الثالث


                      المحافظ: أراك اليوم أحسن
                      المريضة: الحمد لله
                      المحافظ: هل باستطاعتك الآن الاجابة عن بعض أسئلتنا ؟
                      المريضة: تفضل
                      المحافظ: ما اسمك ولقبك وتاريخ مولدك ؟
                      المريضة: لا .. لا أعرف ؟
                      وفاضت عيناها بالدمع وخنقتها العبرات ، كانت شفتها ترتعش تحت أسنانها ، واحمر وجهها رغم سواده ، أخذت تمسح دمعها وتقسم له :
                      أقسم أني لا أعرف من أنا ، الشيء الوحيد الذي أنا متأكدة منه هو أني لست مجرمة
                      المحافظ: سنعرضك على طبيب مختص وان ثبت عكس ذلك ستكون الجريمة أكبر ، وستتعرضين لأقصى العقوبات
                      المريضة: ليتني أعرف من أنا وما بعدها أهون
                      المحافظ: أتركك الآن ، حاولي ، حاولي أن تستعيدي ذاكرتك ، وها هو الشرطي أمام باب الغرفة ، اذا تذكرت أي تفصيل اتصلي به سآتي على جناح السرعة ، ومن الأفضل لك أن تعترفي وتساعدينا في البحث عن العصابة .. هذا يخفف عنك العقوبة ، ربما البراءة ولم لا ، لعلهم يكونوا غرروا بك وورطوك مثل ما ورطوا الكثير من الفتيات مثلك
                      المريضة: سأحاول ، ليتني أستطيع
                      المحافظ: من هنا وبعد الفحوصات الضرورية ان لم تعترفي ستحولين الى السجن ولن ينفعك هذا السكوت
                      المريضة: ما أصبح يهمني شيء غير معرفة من أنا ، السجن ربما أرحم ، اذا خرجت من المستشفى أين أذهب ؟ وماذا أفعل وماذا أقول ؟..
                      المحافظ: لا تظني أن السجن فندق ، انه السجن يا آنسة
                      المريضة: أنا الآن في سجن أفظع
                      المحافظ: لا تدفعينا لاستعمال أساليب أخرى
                      المريضة: افعلوا بي ما تشاؤون ، فقط أعيدوا لي ذاكرتي
                      المحافظ: فكري جيدا
                      دخل الطبيب : صباح الخير سيدي المحافظ
                      المحافظ: تضحك
                      الطبيب: ابتسم لك سيدي المحافظ ، الآن انتهت مهمتي ، افعلوا بها ما تشاؤون ، بعد أسبوع سنرغم على اخراجها من هنا ... ربما نحولها للقسم المختص ، فكونوا في اتصال معه حتى تشرفوا بأنفسكم على التحويل ...
                      سيدي المحافظ ، انها تداعيات المهنة سوء التفاهم بين الأطباء والشرطة أزلي ، وسيبقى ، فقط لخدمة الانسانية ، فضع نفسك في أي صف تريد ، فخور أنا بوصولي الى هذه النتيجة ، لقد أحيينا نفسا وهي الآن بين أيديكم وبرأت ذمتي ... سيدي على المحبة نلتقي ...
                      المحافظ: هل أنت متأكد أنها فقدت الذاكرة ؟
                      الطبيب: هذا ليس من اختصاصي ، لقد عالجناها عضويا ، وهي الآن في أحسن حال
                      المحافظ: هل كنت تتوقع ذلك ؟
                      الطبيب: ليست مهمتنا
                      المحافظ: سنحولها بأمر من النيابة الى القسم المختص ، ثم نتخذ الاجراءات المناسبة ... على كل حال أشكرك ، وأستسمحك ، للضرورة أحكام يا دكتور ، حماية المواطنين تدفعنا بعض المرات الى خسارة بعض الأشخاص الطيبين مثلك ، انها هفوات المهنة .. شكرا ...
                      الطبيب: العفو
                      وحولت المريضة الى القسم المختص ، وبعد الفحوص والاختبارات تبين أن المريضة قد فقدت الذاكرة ، ووضعت في السجن لمتابعة حالتها ، تعرض مرة في كل أسبوع على الطبيب المختص لمعالجتها ...تحت رقم 69 هذا الرقم الذي كيفما وضعته تقرأه " تسع وستون " وهكذا أصبحت خضراء رقما مجردا من كل شيء ، فسميت بسوداء 69 الرقم المفقود ، وجدت نفسها أوراق بيضاء يكتبون فيها ما يريدون ولا تستطيع أن تعترض ، يرسمون عليها ما يريدون ، يشطبون ويتركون ، منهم من يكتب برفق ومنهم من لا يرحم ، وتناسوا أن هذه الكتابات ستتفاعل و تتراس لبناء معادلة انسانية جديدة من وحي ألسنتهم وأقلامهم وأحكامهم ... هنا يغتال حق الزمن وحق التجربة وحق المراحل ، كثيرة هي الأشياء التي تنبت معوقة في هذه الذات الجديدة ...
                      وأدخلت 69 الى السجن ورقة بيضاء ...
                      كانت القاعة مكتظة بالسجينات كلهن وضعن هنا تحت ذمة التحقيق ، عالم آخر يعيش في الخفاء ، وردت الحارسة الباب وراءها ، كأنه انفجار، تشعر بالرعب والخوف ، تشعر أنك في مقبرة الأحياء وأن الحياة قد توقفت ، وأن الزمن سيتراخى لتبقى في جوفه أكبر مدة ممكنة ، هنا تتخلى عن الكثير من الأشياء مرغما ، وتتحمل الكثير من الأشياء ، هنا تختفي البديهيات ، انها ورشة لحدادة البشر ، هكذا بدأت حياة سوداء 69 ... أفرشة على الأرض ، القمل والصراصير ، والبعوض ، نساء في كل الأزياء يغنين ، يرقصن ، يتشاجرن ، يمارسن أشياء لا يتحملها العقل ، انها مشاتل الادمان ، والانحراف ، السجن مدرسة العصابات وعلب الليل ، انه مملكة الغاب ، لأنه آخر محطة قبل الموت ، فكن ما تريد ، لن تعاقب بأكثر من السجن ، أفظعه الزنزانة ، عادي جدا بالنسبة للمدمنات ، كانت لا تزال في مرحلة النقاهة ، مارسن عليها كل أشكال الاهانة والتسلط ، وماذا عساها أن تفعل ؟...
                      كاميليا ، اسمها الحقيقي نوارة ، تجاوزت الثلاثين ، موقوفة في قضية قتل وسرقة ، مدمنة لها عدة سوابق
                      مونيا ، اسمها الحقيقي سلامة ، ثلاث وعشرون سنة ، موقوفة في قضية مخذرات وتزوير وثائق ، مدمنة ذات سوابق كذلك
                      سوسو ، اسمها الحقيقي سلطانة تسع وعشرون سنة موقوفة في قضية دعارة واجهاض ...
                      تلكم هي الفاعلات والماسكات زمام الأمور في القاعة ، ألقي عليهن القبض عن طريق الوشاية ، وكأن الأمر فيه تفكير وتدبير ، انهن المايسطروات ، الباقي أغلبهن أدخلن من أجل بعض المخالفات والجنح التي ارتكبنها بقصد أو غير قصد دون الانتباه للعواقب ، لم تراعي المحاضر ظروفهن ولا معرفة الأسباب الحقيقية التي دفعتهن الى ارتكاب حماقاتهن ، يمزقهن الندم والخوف ، وجدن في تلك الأقراص السحرية مفرا من جحيم الانتظار والأحكام المجهولة ، منهن الميسرات ومنهن من يدفع عنهن خارج السجن ، الأقراص الأولى تقدم مجانا ، أو توضع في القهوة ، انها مهمة مونيا ، بصفتها متطوعة لتقديم فطور الصباح
                      كاميليا: انظري اليها انها كالصخرة السوداء ، فوقها غراب
                      مونيا: يا حبيبتي ، انها شامة السجن ومن أجلها أحببناه ، أنا لا أتمنى أن أخرج من هنا مادامت هي
                      سوسو: تحفة سوداء من حجر
                      كانت حينها سوداء 69 قابعة فوق فراشها ، كالحمامة بين الأفاعي ، تحاول السيطرة على أعصابها ، في ذلك اليوم قطعت عهدا على نفسها أن تكون كما أريد لها ، ليس لها جلد آخر .. فتحت الحارسة الباب وقدموا اليهن وجبة الغذاء ، عدس بالزيت والماء بزيادة في الملح ، أخذت طبقها وعادت الى مكانها ، كانت سوسو تنظر اليها بطريقة غريبة ، أثارت نظرتها عصبية مونيا ، فجاءتها ، حملت الطبق وأفرغته فوق رأس السوداء ، فأثارت ضجة وضحك الجميع ، أسرعت الحارسات فتحن الباب ووقف الجميع ينظر اليها ... لم تتحرك .. أغلقن الباب وانصرفن وعادت السجينات الى الأكل ، قامت تنفض العدس عن رأسها ، وضعت رأسها تحت الحنفية ، ولما غمرها الماء احتوتها مونيا وبدأ العراك ، مزقت لها ثيابها تحت التصفيق والنقرات والزغاريد للتمويه ، الا أن في هذه المرة أحست بالاهانة وكأن قوة ما نفخت فيها ، فمسكتها من عنقها وأخذت تشد وتشد ، وتوقف الجميع عن التصفيق ، حتى أغمي عليها وقامت الى كاميليا وسوسو فهربتا وراء الأخريات ، وجدت صحنا أمامها ضربته برجلها ومرت ، جلست في مكانها وقالت :
                      كاميليا آتيني بطبقك
                      ناولتها طبقها ذليلة وانصرفت
                      من هنا وصاعدا لا حركة في هذه القاعة ولا سكون الا باذني ... مفهوم ،
                      رمين على مونيا الماء فقامت مذعورة وأخذت مكانها دون أدنى كلمة ، وبعد الغذاء قالت : أريد أن أنام حذاري من الازعاج
                      حينها أخذن أماكنهن وساد الصمت لأول مرة في هذه القاعة ...
                      في المساء ، جمعتهن وسط القاعة وقالت:
                      هل هناك واحدة منكن تريد مبارزتي ؟ أنا لا أعرف من أنا ، أصبحت في قائمة الأموات لا ماضي ولا مستقبل ، مستعدة للبقاء في هذا السجن الى الأبد ، قادرة على فعل أي شيء يطيل بقائي هنا لأن الخروج لا يخدمني ، قادرة أن أقتل وبكل برودة أعصاب ... قالوا عني أني أنتمي الى أخطر عصابة وأنا أخطر عنصر ، سأكون كذلك ، فالتزمن حدودكن ، لا مخذرات ولا جنس ولا ورق ، حذاري أنتن الثلاث ستدفعن الثمن غاليا ، هذا مادمت أنا هنا ... مفهوم
                      سكت الجميع ، ثم انصرفن كل واحدة الى مكانها ، وعادت هي الى فراشها تطارد الصراصير ..نفضته ، وأمرت بتنظيف مكانها ...
                      انزوت مونيا وسوسو وكاميليا في زاوية القاعة يتحدثن
                      سوسو: يجب أن نتعشى عليها قبل أن تتغذى علينا ، هذه الشرسة السوداء ، لم أكن أتوقع أنها حيوانية الى هذه الدرجة ، كأن الجن سكنها
                      مونيا: ماذا نفعل ؟ ، مستحيل الحياة بدون أقراص
                      كاميليا: سأحدث الحارسة ايناس عنها ، ستحولها الى قاعة أخرى
                      سوسو: مستحيل ، هذه القاعة الوحيدة الخاصة للموقوفين على ذمة التحقيق
                      مونيا: أنا ألد أعدائها ، أخشى أن تنتقم مني ، يجب أن نجد لها حلا أو مكيدة لاخراجها من هنا
                      كاميليا: ابتعدي عنها ، لا أظن انها تحاول ، لو توقعت منها هذا لناولتها الأقراص
                      مونيا: انها فاقدة الذاكرة ، ولن يستفيد منها أحد ، ومن يدفع عنها ؟
                      سوسو: لو سمع الرئيس بهذه المهزلة لقدمكن جميعا الى حبل المشنقة بثمن بخس ، فتصرفن في الأقراص التي تأتي بها الحارسة ايناس في انتظار ثورة المدمنات
                      كاميليا: الا هذه ، سنثير انتباه الادارة ، ويقومون بتحقيق ، ونحن أول من يدفع الثمن مرتين ، يجب المحافظة على الحد الأدنى من الأقراص للمدمنات حتى لا يفتضح أمرنا
                      مونيا: الأمر ليس سهلا ، والرئيس لن يغفرها لنا ، يجب البحث عن مخرج آخر ، يظهر تبليغ الحارسة ايناس هو الحل الأمثل
                      تلك الليلة جاءت ايناس ، أخرجت مونيا من القاعة ، غابت أكثر من ساعة ثم عادت ، بمجرد ما عادت هرولوا اليها
                      -ماذا قالت لك
                      مونيا: لا يتعرض لها أحد ولا تمسوها بسوء ، وتعاملوا معها بحذر ، هذه كانت مع جماعة الحادث وتدعي أنها فقدت الذاكرة ... سنتصرف ، اننا نتابع أمرها باهتمام كبير وسنبعث اليها من يأتينا باليقين .. هكذا قال الرئيس
                      كاميليا: ألا يمكن أن تكون من الأمن ؟ ، برودة أعصابها وثقتها بنفسها تريبني ..
                      سوسو: اذا هو الذل والهوان الآن ، ستنتقم منا شر انتقام
                      مونيا: أظن أن وراءها ثروة من العملة الصعبة ، يمكن أن تعمل أي شيء لتستحوذ عليها ، من مصلحتها المكوث في السجن .. أطول مدة .. انها مطاردة من طرف البوليس ومن طرف العصابة ،.. حذاري لا تورطونا ..سيتصرف الرئيس وعن قريب ..
                      كاميليا: سأخضعها وأذلها وأستعيد هيبتي مهما كلفني ذلك
                      سوسو: وأنا معك ، وماذا بعد السجن ، ونحن فيه، هل هي أشجع منا ، وما فائدة السجن الذي لا يضمن تحطيم جدار الخوف ، ويعلمك المغامرة ، ويلقنك الجرأة ، ويساعدك على العناد ...
                      مونيا: أنظري انها تجمع الأقراص ، يااه ، انهن يطاوعنها ، سأقتلها ..
                      نظرت اليها باستهزاء وازدراء وأشارت اليها باصبعها ، فتراجعت الى الوراء ، وتقدمت هي
                      -هيا ، الي بالأقراص
                      مونيا: أرجوك ، أتركي لي واحدة فقط
                      -قلت لا ، ودفعتها حتى كادت أن تسقط ، ثم أخذتها من الصدر وهزتها حتى كادت أن ترفعها ...
                      جمعت كل الأقراص ، وضعتهم في المرحاض وسكبت الماء
                      -والآن الرجوع الى الجد ، أي مخالفة لقانون المملكة تعرض الى عقاب شديد ، جدع الأنف أو قطع الأذنين ، اسألوا عني العصابة ، لا أسامح ولا أجامل ..
                      كاميليا: ستخرجكن من عبودية المخذرات الى النخاسة ، لن ترحمكن ...
                      وبدأت تستعين بالقويات ضد الضعيفات ، بارزتهن الواحدة تلوى الأخرى ، وكلما دخلت واحدة جديدة تستفزها حتى تتصارع معها وتخضعها ... وأصبحت تترأس القاعة رغم معارضة الحارسات ، تحميها ايناس مرغمة ، وأصبحت تشكل خطرا على الجميع ، يدبرن لها المكائد وتنج منها الواحدة بعد الأخرى بأعجوبة
                      استيقظ الجميع كالعادة على ضجيج الأقفال وانصفاق الأبواب لتناول فطور الصباح ، بعدها جاءت الحارسة:
                      السوداء !! السوداء !! أنت مدعوة الى الادارة ، هيا أسرعي ...
                      خرجت تتبعها ، كثيرة هي الأسئلة التي تبادرت الى ذهنها ، هل هي المكيدة كالعادة ، أم التحقيق ، أم عقوبة ... استأذنت ودخلت وراءها السوداء ، لا تزالا واقفتان أمام المكتب ، رفع رأسه ، نظر اليها ، هز رأسه ، ابتلع ريقه وقال:
                      اجلسي ، لقد عينت لك الدولة محام ، حاولي أن تساعديه للوصول الى الحقيقة ، وهذا من مصلحتك ، أما نحن بقاؤك أو خروجك لن ينقص أو يزيد من ادارتنا شيئا ، والسجن ليس فندقا ولا هو مأوى ...
                      لم تقل شيئا ، أخذت تنظر اليه ، وراء عيونه الشرسة شيئا من الحنو ، وكأن الرجل في مسرحية ، يقوم بدور لا يتناسب مع مظهره ، تنتظر منه أن يحتضنها ، ويعترف بطيبته ...
                      كان المكتب فسيحا واسعا ، مكيفا ، حوله أرائك فخمة ومريحة ، نوافذه واسعة للشمس والهواء ، خلفه مكتبة فيها الكتب مبعثرة ، مجلات ، بعض الملفات ، أرضية المكتب مفروشة ، صورة رئيس الجمهورية زادت هيبة المكان ، انه ينظر اليها ، ليته كان يسمع ، هكذا قالت في نفسها ، فاذا بباب جانبي يفتح
                      - المحامي هنا ، سيدي
                      - أشار اليها فقادتها الحارسة ، دخلت ، كانت الغرفة ضيقة جدا كأنها زنزانة ، في وسطها طاولة من حديد وثلاثة مقاعد ، جلست بدون اذن ، لم تبال بابتسامة المحامي ، تنظر حولها ، أغلقت الحارسة الباب وجلست وراء الشباك ، جلس المحامي أمامها ووضع محفظته على الأرض على رجل الطاولة
                      المحامي: أنت هنا منذ متى ؟
                      السوداء: لم تقرأ ملفي ؟
                      المحامي: لا شك أن لك ما تقولين أفضل من الملف
                      السوداء: أنا لا أذكر شيئا ، ظلام ما قبل السجن ، والسجن ظلام

                      المحامي: هذا تشاؤم مفرط ، وفي هذا السن !
                      السوداء: يا سيدي ، أنا لا أعلم حتى من أنا ، حسب أقوال الشرطة ، التي ولدتني من العدم ، أنا مجرمة ، أعمل لصالح جماعة أشرار ، يعني عصابة ، أتاجر في المخذرات ، أنا يا سيدي حسب أقوال الشرطة عنصر فعال وخطير جدا ، لما أدخلت الى السجن كنت أذل المخلوقات ، حاولت أن أكون كما أريد لي ، فكان لا بد لي من استعادة مكانتي ، وحقيقة استطعت أن أصنع من نفسي الصورة التي رسمتها لي مصالح الشرطة القضائية ، فلجأت الى العنف واسترجعت شخصيتي ، وأنا اليوم سيدة القاعة ، لا أخفي عليك ، لقد تجردت من كل معاني الضمير ، أفعل بالسجينات ما يريحني ، لا أفرق بين الخير والشر ، وأدركت أنها الوسيلة الوحيدة لفرض النفس في هذه الغابات .. حتى لو خرجت من السجن ماذا أفعل ؟ أين أذهب ؟ ان السجن بالنسبة لي هو المستقر الوحيد ، أشعر فيه بالأمن لأنه مملكتي ، لن أجد أحسن في الشارع ، ولا شك حسب العينات التي تأتي الينا أن خارج السجن ، الناس يعيشون الوحشية بمعناها الواسع وبمفهومها الحقيقي ، على كل حال أنا لا أحب أن أخرج الآن لأنني لم أتمم التربية التي تساعدني على الحياة خارج السجن ... يا سيدي أنا لا أملك الا هذا الجسد المجرد من الماضي لا مستقبل له ، أنا لا أصلح لشيء ، الشيء الوحيد الذي يمكنك أن تساعدني عليه هو أن تتركني أعيش الحياة التي ألفتها ، ومهما كنت ، أتمنى أن تأتي أنت كذلك لتعيش معنا هنا في السجن حيث تتعلم كيف تتعامل مع هذه الوحوش الطليقة والقائمة على شؤون الناس ، ستتعرف على من يدفع ثمن الأخطاء التي يرتكبها الأقوياء .. السجن يا سيدي بني للضعفاء والمستضعفين كي يتعلموا كيف يتعاملون في الضجيج بعيدا عن السادة ، لأن حق الحياة والعيش الكريم يبقى دائما للأقوى في كل شيء ، أقول في كل شيء ..
                      القوة تصنع المعجزات يا سيدي ، ان كنت تنظر الى الحياة من زاوية أخرى فأنت مخطىء ، وعليك بمراجعة بياناتك ، هكذا ربانا السجن ، ولا أظن أن الحياة خارجه أرحم .. فقط السجن يعلمك كيف تتسلط على أمثالك وتبتزهم وتزدريهم وتذلهم ليعيش الآخر البحبوحة في أمان ،ان جرائمنا يا سيدي هي الحد الفاصل بين الخط الأسود والخط الأحمر ، لأنها فيما بيننا ، وعندما لا يجد القانون ظهرا يحمله يحملوننا نصوصهم ورسائلهم ... نحن المنبوذون ..
                      أنظر الى هذا التناقض والنفاق ، صنعوا مني مجرمة ، وهاهم يدافعون عني ، انهم يرحمون ذبيحتهم ، غريب أمر هؤلاء القوم .. ، لا تندهش من كلامي ، انها مدرسة السجن ، تعلمك بالقوة مفعول كل قوة ، اذا أخرجتني لن أرحمك ، لأنك عنصر خطير في معادلتهم ، لأنك توهمني بالعدل وتغرر بي لتبرير أخطائهم .. لن أسامحك
                      كان المحامي يتابع حديثها باهتمام بالغ ، ليته حمل معه مسجل ، فاذا هي كذلك اليوم وهي فاقدة الذاكرة ، فكيف تكون اذا استعادتها ، سكتت هي وبقي المحامي يتابع حديثها كأنها لم تتوقف عن الكلام ، لم يستطع أن يوقف تدفق هذه الفكرة ولا أن يضع حدا لامتدادها .. صراخ .. أنين .. صياح .. استغاثات ، وفرضت امتدادية الطرح نفسها خارج السجن ، كشفت البؤس في كل مكان ، وأن هذه الوجوه التي تبتسم وتقهقه في الخارج هي أقنعة مجانين ... كادت تنفجر حنجرته من الكبث ، حمل محفظته ، أشار الى الحارسة ، فتحت الباب وانصرف دون أي كلمة ، دخل الى مكتبه ، أغلق الباب باحكام وخلد الى التفكير ، يجتر ما سمع ، وفرضت عليه قراءة جديدة للمجتمع ، ومناقشة هذه القضية بطريقة جدلية مثيرة ، يرافع فيها بطريقة أكاديمية ، انها محاكمة العصر .. الا أن هذا يحتاج الى شركاء من كل مجالات الحياة ، والقضاء عندنا قضاء وقدر .. سيدافع عن س عن هذا المجهول في معادلة غير متساوية الأطراف مهما كلفه ذلك .. وهكذا بدأت مغامرة أخرى ... كتب على الملف س بعد أن رمى كل أوراقه في سلة المهملات .. يجب أن تصنع الفرضيات الحدث الحقيقي ..
                      عادت الى مكانها ، لم تتفوه بكلمة ، زرعت في نفس الحارسة التي سمعت حديثها نوعا من الحذر ، لم تجرأ أي واحدة على مسائلتها ، لأول مرة تخرج الى الادارة ، وتعود كأنها انسان جديد ، لقد تزودت نفسيتها بشيء ما ، تبحث عنه تلمسه ولا تراه .. مدير السجن ، المحامي ، المكتب ، صورة الرئيس ، عالم آخر ، دنيا أخرى ، كل هذا خلف هذه الجدران العالية وهذه الأبواب الموصدة ، انهم وراء الحاجز تذهب اليهم الأشياء لا يأتون اليها ... تتساءل لماذا لا تكون هي مديرة السجن أو رئيسة الجمهورية ؟ ، ولكن هي كذلك لها مملكتها ، هذه القاعة وشعبها المنحرف الذي تجلت فيه كل تجارب مفهوم الحياة البشرية التي اكتسبها من الحيوان ، ابتداءا من الحرية في القفص ، والحرية من أجل الأكل والأكل فقط ... شيء ما يختلج في صدرها ، هذا المحامي الذي انصرف ولم يقل شيئا ، وهذا المدير الذي كان يخفي في نظرها طيبته ... كلهم يتكلمون خلف الأقنعة لدرجة اختلاط الواقع بالوهم ، الحقيقة بالخيال .. هكذا يضيع الصواب في الذات وخارجها .
                      خلدت الى قسط من راحة الأقوياء، ويوم ضعفي بينكم لكم أن لا تتنازلوا أيها الضعفاء ، وفي مساء ذلك اليوم جاءت رئيسة الحرس ، كن يلقبنها بالتمساح ، اسمها الحقيقي جميلة ، لكنها بشعة حتى ضاقت منها البشاعة ، متسلطة وعنيدة ، ليس وراءها الا الشر ، دخلت الى القاعة وليس من عادتها ، اختلت بالسوداء ، لأول مرة تظهر على وجهها الابتسامة ، وعم الاستغراب الجميع ، تواصلت ابتسامتها حتى سقطت في العبثية الى حد السخرية ، تحتويها بعين المكر والخبث ، كانت السوداء تستمع اليها بصمت غطى كل المشاعر ، تنظر اليها بعيون تزرع برودة الموت حتى أدركها الصقيع فسكتت ، رفعت يدها ، ردتها الى الخلف وبكل قوة صفعتها ، لم يتعد صداها الوجه ، كانت تنتظرها ، فشدت على نواجدها بكل قوة ، ثم أخرى ، لم تحرك ساكنا .. فانصرفت ، ولما كانت أمام الباب قالت لها سوداء وبكل هدوء ، سأردها عليك في الوقت المناسب
                      اختفت قليلا ، ثم عادت ، قيدتها تجرها الى الزنزانة..
                      رئيسة الحرس : سنرى هذه الأعصاب الباردة اذا كانت قادرة على مقاومة البرد والجوع ولسعات الهراوة والمحزمة
                      رسمت سوداء بسمة الزعماء على شفتيها الخصبة ، فجنت الحارسة ، تتقاذف الشرارات من عينيها وبدى عليها انهزام نفسي فظيع ..
                      - سأروضك أيتها المتوحشة ، أذلك ، أفركك ، وأذيقك الهوان ، وأسقيك شراب الخزي حتى تركعي ، جميل ، سوداء الملح تستعبد ؟ الا هذا ...
                      فقالت السوداء: مأجورة على ذلك ؟ افعلي بي ما تريدين ، لن أبلغ عنك أحدا ، فقط سجليها ليوم الحساب ، سأرد لك المعروف مضاعفا ، والسجن أنا فيه وسأبقى ، بعد الحكم نلتقي وسيكون لي معك كلام آخر .. هيا بنا ، الى أين ؟ الى الزنزانة ؟ هيا ... فاذا بايناس تأتي مسرعة ، همست في أذن الرئيسة ، وبدى على وجهها الاستغراب ، سكتت قليلا ، نظرت اليها ، ثم تركتها وذهبت هي والحارسة يتآكل على وجهها الغضب والخيبة والخذلان
                      عادت السوداء الى مكانها تقاوم رغبة البكاء ، وألزمت كل واحدة منهن مكانها ، زادها الموقف هذا هيبة ، ومكنها أكثر ...
                      لم تلبث كذلك الا قليلا ، فاذا بالحارسة تعود لتأخذها معها ، في هذه المرة ذهبت مباشرة الى مصحة السجن ، حيث كانت تنتظرها امرأة ، في العقد الخامس ، ليست كنساء السجن ، قصيرة ، عريضة ، تغطي شعرها الأصفر بفولار أزرق فاتح ، ترتدي بذلة كلاسيكية زرقاء ، تحتها قميص أبيض مفتوح ، تظهر في نحرها سلسلة من ذهب ، في أذنيها قرطين صغيرين ، وفي اصبعها خاتم خطوبة لا شك ، جميل ، متزينة بطريقة محتشمة تتأبط سفطا أبيض وتحمل نظارات تظهر خلفها زرقة عيونها كأنها امتداد البحر ، تنظر بعمق ، وتحتوي بابتسامتها القلوب ، بعيدة في حركاتها العبثية ، وكأنها صنعت على المقاس ، وضعت يدها على كتف السوداء ، نظرت اليها جيدا ، تنهدت ، تكاد تضمها اليها برفق ، غمرتها ، فيض من حنان وعطف ورحمة ، دون تكلف ولا اصطناع ... أجلستها وجلست بجانبها وقالت :
                      أقول لك سر ، ربما لم يقله لك أحد ؟!
                      رفعت السوداء بصرها اليها ، تكاد تنهار بالبكاء ، تنتظر منها ذلك
                      -كم أنت جميلة أيتها النحلة الكحلاء ، ما شاء الله عليك ، هل رأيت وجهك في المرآة .. نعم .. نعم أنت فاتنة يا لؤلؤة .. كأنه زواج مختلط ، الأب أبيض والأم سوداء أو العكس ، أولاد هذا النوع من الزواج ، وأكثرهم مثلك ، وخاصة اذا كان عن حب .. نعم .. نعم في الحقيقة أبناء الحب كلهم مثلك ، لأن الحب لا يؤمن بالفوارق والطبقات ... لا علينا ، أنا أنشط في جمعية خيرية اجتماعية تساعد النساء اللواتي عندهن مشاكل ، نحاول معهن اخراجهن من همومهن ، وقد أنقذنا الكثيرات ، منهن من كانت على حافة الانتحار ، سمعنا بك فطلبنا رخصة لزيارتك ، وأعرض عليك صداقتي ، لا شك أنك بحاجة الى التعبير عن أشياء كثيرة تدور بخاطرك ولم تجدي الأذن الصاغية أو الصدر الحاني الذي يسمعك من العمق ، نحن الجمعية الانسانية الوحيدة التي لا تتجسس عليها الادارة ، فكوني مطمئنة أن حديثك مهما كان معلق في ذمتنا ، وهو مجرد الطريق الذي يوصلنا الى منبع الأزمات النفسية والاجتماعية ، ولهذا أتمنى أن تجدي راحتك معي لأنني سأزورك من حين الى حين ، وحتى بطلبك نأتي ، ندردش ، نقول أي شيء ، أعطيك فائدة ، ان الانسان مهما كان لا يتكلم من فراغ ، مستحيل ... ماذا قلت ؟ هل تقبلين بصداقتي ؟..
                      السوداء: لا أرى مانع
                      المرأة: جميل ، اذن نحن الآن صديقتان ، ما اسمك ؟
                      السوداء: السوداء .. الصخرة السوداء
                      المرأة: هذا اسم السجن ، أريد اسمك الحقيقي
                      السوداء: لا أعرف ؟ .. نعم لا أعرف من أنا ؟ .. قالت الشرطة القضائية ..
                      المرأة: لا .. لا .. لا .. لا أريد هذا ، أرجوك ، أعرف كلام الشرطة ، هذا من حقهم لأنهم حماة البلاد والعباد ، ولو صدقوا الجميع لفسد الجميع ، أما أنا وأنت نريدها صداقة بعيدة كل البعد عن المحاضر البوليسية وملفات العدالة ، نريدها انسان مجرد من كل القيود ، لانسان يعيش للانسانية ، نريدها علاقة مبنية على أسس وجدانية بعيدة عن أي هدف الا الهدف الانساني المجرد من كل شيء ... أريدك أنت يا سوداء كما ترين أنت نفسك وكما تعرفينها ، ولهذا أتركك هذه المرة وسأعود اليك لما تجمعين في جعبتك شيئا من القول عن التفكير والتدبير ... أتركك بخير
                      خرجت المرأة ، وعادت السوداء الى القاعة ، ولا تزال تدفع رغبة البكاء ، أحست بوحشة ما بعدها وحشة ، واكتسحتها غربة الذات .. تبحث في جسدها عن نفسها ، تتوسل اليه ، تترجاه ، توعده ثم تتوعده ... يستحيل أن أكون من العدم ، من الضياع ، لماذا لم يسأل عني أحد ؟ هل أنا مقطوعة من شجرة ؟ من أين أنا والى أين ؟ لماذا نسيت نفسي ؟ وما الذي شغلني حتى ضاعت مني ؟ لماذا تنكرت ؟ أين تلك المرأة التي جاءت الى المستشفى تدعي أنها أمي ؟ .. أين أبي ؟ أين اخوتي وأخواتي ؟ هل تبرأ الجميع مني لأني مجرمة ؟ آه ، نعم .. أدركت الآن ..
                      كانت دوامة البحث عن الذات تمتطي صهوة كل سؤال فظيع ، يضيع صداه حيث لا تدري ... هي التي لا تعرف الا مدير السجن ، ذلك الرجل الأسود مثلها ، ذلك الأنيق ، في العقد الرابع يبدو من العمر ، ذلك الذي يخفي شيئا من الحنان وراء نظراته ، وبعضا من الحنو خلف كلماته ، ولكن هي مجرمة وهو رجل قانون ، غريب كيف تتناقض الأفعال حيث تتقارب المشاعر ، حتى الآن لا تعرف من أين يأتي ذلك الدافع الذي يسوق مشاعرها الى حضن المدير ، هل هو الحب أم هي قراءة لبوادر رحمة على صفحات البشرة السوداء التي تجمعهما ... أشياء مبهمة تتزاحم في ظلام نفسها ، تدفع عشوائيا جدران الصمت ، تبحث عن منفذ للخروج ، تنصفق ، تتكسر ، تتشكل وتعود ، انها تعيش مخاضا داخليا ، مكبوثا ، يصارع أشياء تراكمت كلها ، تريد الخروج مرة واحدة ، كأنها متفجرات على وشك الشرارة ، تتفاعل حتى تكاد... ثم تجمد الى درجة الصقيع ، ويغمر الذات سكون الموت ، ولا يعود يهمها شيئا ، تكتفي بأنها مجرد جسد تنبض مداركه ، وماذا بعد ؟ .. ربما لو عرفت نفسي أمقتها ..
                      تعود الى تلك المرأة الطيبة ، ألا يمكن أن تكون ملاك رحمة جاء في صفة بشر ، لأول مرة تحس بذلك الشعور الانساني الذي ينبع من فطرة الخلق والخلق ، لا ينظر اليها من زاوية الذنب ، لا يعرف التوعد ، يعترف بالخطأ ، بل يتجاوزه لأنه من سمة البشر ، لا يفرق بين الأسود والأبيض وبين ...
                      لماذا هذه السجون ؟ وجرائم الخفاء أفظع ، حيث يدفع البعض عن البعض ، لماذا هذه الأحكام على الظاهر؟.. وما في الباطن أسوأ ، لماذا هي الأشياء الا كما يراها غيرك؟ ... لماذا لا يمكن لي أن أرفض هذا التوظيف لاستكمال مشهدهم ؟... غريبة هي الأشياء تلك و أنا أغرب ! .. كاد رأسها أن ينفجر ... لا تزال القاعة لم تتحرك ، واكتسحت الغرابة وجوه الجميع ، انتبهت ، تنظر اليهم وهي واقفة وسط القاعة ، أسدلت يديها ، بصمت ، أشارت اليهن ، ماذا ؟ ماذا حصل ؟ ... نعم كانت فوق خشبة مسرح الحياة ، لم يكن ذلك مونولوج ، بل كان خطاب راو على الخشبة ... تقدمت احداهن اليها بكل رفق وقالت :
                      -ما هذا الكلام يا سوداء ؟! قطعت أكبادنا ونزفت القلوب دم الأسى ، انك تعانين كل هذه المعاناة .. ما أتعسك ! وما أتعسنا معك !، كل واحدة منا كانت تشعر وكأنها أنت ، عبرت بما عجزت عنه ألسنتنا ، لقد عايشنا مسرحية من عمق الذات البشرية التي لا تدركها هذه القلوب التي صنعتنا وشوهتنا ودفعتنا ثمن أخطائها وفشل تجاربها ، لتدرك غايتها .. انه الدرس في الانسانية الذي لا ننساه أبدا ... يا حبيبتي نحن معك ...

                      الفصل الرابع

                      تعليق

                      يعمل...
                      X