كنت في الخامسة من عمري .. عندما كانت تسدل الشمس ستائرها معلنة عن الغروب , أركض إلى باب منزلنا البسيط منتظرا بفارغ الصبر قدوم العينين الزرقاوين , كان ضخم الجثة عريض الكتفين أزرق العينين أشيب الرأس باختلاط بسيط من السواد في شعره , إنه جدي .
هامة قد حناها الزمن فقد كان في عراك دائم مع الصخر ليلينه , وعند دخوله باب المنزل ما كان بإمكاني إلا الانحناء لتقبيل يديه , فيداعب خدي بيديه الخشنتين اللاتي كنت أعشق صنيعهما .
خمس دقائق .. عشرة .. ساعة .. ساعتين ها قد أراح جدي جسده المنهك يجب علي أن أجلب له شبابته ليبدأ بعزف الميجنا والآه على أنغام شبابته التي لطالما أفتقد لترانيمها العذبة التي كان يصنعها جدي .
كنت أحاول دوما سؤال جدي عن سر خشونة يديه , عن سر لون عيونه الزرقاوين , كنت أجهل ما يدور حولي وأحاول السؤال عن كل شيء .
وفي إحدى صباحات أيام الشتاء البارد , كان البرد يكاد أن يتخلل في عظامي وعندما فتحت عيناي واستسلمت للأرق جفوني واستيقظت على كلمات جدي وهو يقول " أصبحنا وأصبح الملك لله " كانت الساعة حينها تعلن الخامسة والنصف من عمرها .
لم تسعني الفرحة فهذه أول مرة أستيقظ على جدي وهو غاد إلى عمله , وقبل أي شيء قمت بارتداء ملابسي بسرعة البرق متوجها إليه بكل لهفة طالبا منه اصطحابي معه إلى عمله .
قام بغسل وجهي وكم كنت فرحا وكفيه الخشنتين تداعب وجنتاي وتسبل لي شعري .
وبدأ مشوار ذلك اليوم , حبات المطر تداعب الأرض كما كانت تداعب يدي جدي الخشنتين وجهي .
وصلنا إلى مكان العمل , مقلع للحجارة والصخور , وكان لا يقينا من حبات المطر سوى لوح من المعدن ( الزينكو ) أعده جدي ليكون مكانا يجلس تحته , ذهب جدي ليبحث عن بعض من قطع الخشب وقد عاد بحزمة كبيرة منها .. أشعل النيران فيها وبدأت النار تضطرب , وبدأ بدق الحجارة تعانده وينحتها كانت قاسية جدا فتزداد قسوة جدي معها إلى أن تصبح بشكلها الذي يريد .. وكلما هدأت النار كان يزيدها خشبا وكازا فيعاود هديرها يصنع ألحانا متناسقة مع تلك التي تصنعها حبات المطر فوق لوح المعدن الذي يقينا , ويستمر جدي برسم لوحاته ولمساته على تلك الحجارة القاسية .
كان جدي يتعامل مع كل شيء قاسي .. مع الحجارة البرد والمطر , حتى مع قسوة الحياة , كان يلين الحجارة ويصنع منها ما يزين البيوت وكان يعجبني ذلك في جدي فقد علمني ما علمته الحياة .
لكنه من يومها إلى يومنا هذا كان قد أضرم نيران الرحيل ورحل ولم أجد من يومها من يطفأ نار الرحيل وعذاب الفراق .
رحل جدي وترك تلك النيران مشتعلة , موصيا في وصيته بورثة عظيمة تركها لحفيده ومهمة كانت صعبة جدا على من كان في الخامسة من عمره بأن يطفأ النار ويراعي قسوة حجارته التي كان يعشقها .
علمتني يا جدي كيف أضرم النيران وأشعلها وإن هدأت كيف أزيد من صوت وقوة هديرها ورحلت ولم تعلمني كيف أطفأ نيران الرحيل والشوق .. هل كنت قاسيا يا جدي ؟!! هل كان جدي قاسيا ؟!!

هامة قد حناها الزمن فقد كان في عراك دائم مع الصخر ليلينه , وعند دخوله باب المنزل ما كان بإمكاني إلا الانحناء لتقبيل يديه , فيداعب خدي بيديه الخشنتين اللاتي كنت أعشق صنيعهما .
خمس دقائق .. عشرة .. ساعة .. ساعتين ها قد أراح جدي جسده المنهك يجب علي أن أجلب له شبابته ليبدأ بعزف الميجنا والآه على أنغام شبابته التي لطالما أفتقد لترانيمها العذبة التي كان يصنعها جدي .
كنت أحاول دوما سؤال جدي عن سر خشونة يديه , عن سر لون عيونه الزرقاوين , كنت أجهل ما يدور حولي وأحاول السؤال عن كل شيء .
وفي إحدى صباحات أيام الشتاء البارد , كان البرد يكاد أن يتخلل في عظامي وعندما فتحت عيناي واستسلمت للأرق جفوني واستيقظت على كلمات جدي وهو يقول " أصبحنا وأصبح الملك لله " كانت الساعة حينها تعلن الخامسة والنصف من عمرها .
لم تسعني الفرحة فهذه أول مرة أستيقظ على جدي وهو غاد إلى عمله , وقبل أي شيء قمت بارتداء ملابسي بسرعة البرق متوجها إليه بكل لهفة طالبا منه اصطحابي معه إلى عمله .
قام بغسل وجهي وكم كنت فرحا وكفيه الخشنتين تداعب وجنتاي وتسبل لي شعري .
وبدأ مشوار ذلك اليوم , حبات المطر تداعب الأرض كما كانت تداعب يدي جدي الخشنتين وجهي .
وصلنا إلى مكان العمل , مقلع للحجارة والصخور , وكان لا يقينا من حبات المطر سوى لوح من المعدن ( الزينكو ) أعده جدي ليكون مكانا يجلس تحته , ذهب جدي ليبحث عن بعض من قطع الخشب وقد عاد بحزمة كبيرة منها .. أشعل النيران فيها وبدأت النار تضطرب , وبدأ بدق الحجارة تعانده وينحتها كانت قاسية جدا فتزداد قسوة جدي معها إلى أن تصبح بشكلها الذي يريد .. وكلما هدأت النار كان يزيدها خشبا وكازا فيعاود هديرها يصنع ألحانا متناسقة مع تلك التي تصنعها حبات المطر فوق لوح المعدن الذي يقينا , ويستمر جدي برسم لوحاته ولمساته على تلك الحجارة القاسية .
كان جدي يتعامل مع كل شيء قاسي .. مع الحجارة البرد والمطر , حتى مع قسوة الحياة , كان يلين الحجارة ويصنع منها ما يزين البيوت وكان يعجبني ذلك في جدي فقد علمني ما علمته الحياة .
لكنه من يومها إلى يومنا هذا كان قد أضرم نيران الرحيل ورحل ولم أجد من يومها من يطفأ نار الرحيل وعذاب الفراق .
رحل جدي وترك تلك النيران مشتعلة , موصيا في وصيته بورثة عظيمة تركها لحفيده ومهمة كانت صعبة جدا على من كان في الخامسة من عمره بأن يطفأ النار ويراعي قسوة حجارته التي كان يعشقها .
علمتني يا جدي كيف أضرم النيران وأشعلها وإن هدأت كيف أزيد من صوت وقوة هديرها ورحلت ولم تعلمني كيف أطفأ نيران الرحيل والشوق .. هل كنت قاسيا يا جدي ؟!! هل كان جدي قاسيا ؟!!



...وكانوا الشيوخ يحكولنا اقرأوا المعوذات ..واحكوا اذا شككت انه جان .."استحلفك بالله العظيم أن تبعد عنّي" ...
تعليق