في ذكرى ميلاد .... جبران خليل جبران

تقليص
هذا الموضوع مغلق.
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • في ذكرى ميلاد .... جبران خليل جبران

    المشاركة الأصلية بواسطة يافا الجميلة مشاهدة المشاركة
    الله يكفينا شره
    آمين
    مشكور على مرورك

  • #2
    الشتاء_________________ جبران خليل جبران

    اقتربي يا شريكة حياتي .. اقتربي مني و لا تدعي أنفاس الثلوج تفصل جسمينا .. اجلسي بجانبي أمام هذا الموقد .. فالنار فاكهة الشتاء الشهية .. حدثيني بمآتي الأجيال ... فأذناي قد تعبتا من تأوه الرياح و ندب العناصر ... أوصدي الأبواب و النوافذ .. فمرأى وجه الجو الغضوب يحزن نفسي... و النظر إلى المدينة الجالسة كالثكلى تحت أطباق الثلوج يدمي قلبي .. اسقي السراج زيتا يا رفيقة عمري .. فقد أوشك أن ينطفئ ... و ضعيه بالقرب منك لأرى ما كتبته الليالي على وجهك ... تي بجرّة الخمر لنشرب و نذكر أيام العصر ...

    اقتربي ..!! اقتربي مني يا حبيبة نفسي فقد خمدت النار و كاد الرماد يخفيها .. ضميني فقد انطفأ السراج و تغلّبت عليه الظلمة ... هاقد أثقلت أعيننا خمرة السنين .. أرمقيني بعين كحلها النعاس .. عانقيني قبل أن يعانقني الكرى .. قبليني فالثلج قد تغلب على كل شيء إلا قبلتك ... آه يا حبيبتي ما أعمق بحر النوم !!! آه ما أبعد الصباح .. في هذا العالم ..........!!!

    تعليق


    • #3
      يا ماري



      تقولين لي انك تخافين الحب. لماذا تخافينه يا صغيرتي؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين مد البحر؟ أتخافين طلوع الفجر؟ أتخافين مجيء الربيع؟ لما يا ترى تخافين الحب؟

      أنا اعلم أن القليل في الحب لا يرضيك، كما أعلم ان القليل في الحب لا يرضيني. أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل. نحن نريد الكثير. نحن نريد كل شيء. نحن نريد الكمال. أقول يا ماري إن في الإرادة الحصول، فإذا كانت إرادتنا ظلا من أظلال الله فسوف نحصل بدون شك على نور من أنوار الله.

      (...) اسمعي يا ماري: أنا اليوم في سجن من الرغائب. وقد ولدت هذه الرغائب عندما ولدت. وأنا اليوم مقّيد بقيود فكرة قديمة، قديمة كفصول السنة. فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج الى نور النهار؟ وهل تقفين الى جانبي حتى تنكسر هذه القيود فنسير حرّين طليقين نحو قمة جبلنا؟

      والآن قربي جبهتك. قربي جبهتكِ الحلوة ـ كذا، كذا. والله يباركك والله يحرسكِ يا رفيقة قلبي الحبيبة.

      جبران - نيويورك 26 فبراير 1924

      تعليق


      • #4
        أصلي من أجلكِ________________ جبارن خليل جبران
        .يا مي , يا ماري , يا صديقتي



        استيقظت الساعة من حلم غريب. ولقد سمعتك تقولين لي في الحلم كلمات حلوة ولكن بلهجة موجعة, والأمر الذي يزعجني في هذا الحلم ويزعجني جداً هو أنني رأيت في جبهتك جرحاً صغيراً يقطر دماً. ليس في حياتنا شيء أدعى إلى التفكير والتأمل من الأحلام. وأنا من الذين يحلمون كثيراً, بيد أنني أنسى أحلامي إلا إذا كانت ذات علاقة بمن أحبهم. لا أذكر أنني حلمت في ماضيَّ حلماً أوضح من هذا الحلم, لذلك أراني مشوشاً مضطرباً مشغول البال في هذا الصباح. ماذا تعني رنة التوجع في كلماتكِ الجميلة؟ وما معنى الجرح في جبهتكِ؟ و أيّ بشري يستطيع أن يخبرني مفاد انقباضي وكآبتي؟



        سوف أصرف نهاري مصلياً في قلبي. أصلي لأجلكِ في سكينة قلبي. وسوف أصلي لأجلنا.



        والله يباركك يا ميّ ويحرسك





        نيويورك صباح الاثنين 30 أيار 1921



        جبران

        تعليق


        • #5
          صبية ليست كالصبايا_____________جبران خليل جبران
          لقد أعادت رسائلك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع وألف خريف وأوقفتني ثانية أمام تلك الأشباح التي كنا نبتدعها ونسيرها مركبا إثر مركب.. تلك الأشباح التي ما ثار البركان في أوروبا حتى انزوت محتجة بالسكوت، وما أعمق ذلك السكوت وما أطوله!

          هل تعلمين يا صديقتي بأني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة، وهل تعلمين بأني كنت أقول لذاتي، هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي اتخذه جبابرة الصباح ثم اتخذت بلادي بلادا لها وقومي قوما لها؟

          هل تعلمين بأني كنت أهمس هذه الأنشودة في أذن خيالي كما وردت على رسالة منك ولو علمت لما انقطعت عن الكتابة إلي، وربما علمت فانقطعت وهذا لا يخلو من أصالة الرأي والحكمة

          ---------

          رسالة الى مي

          جبران خليل جبران - 9 شباط 1919

          تعليق


          • #6
            بين الحقيقة والخيال ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ جبران خليل جبران
            تحْملنا الحياة من مكان إلى مكان.



            وتنتقل بنا التقادير من محيط إلى آخر...



            ونحن لا نرى إِلاَّ ما وَقَفَ عثرة في سبيل سيرنا



            ولا نسمع سوى صوتٍ يخيفنا.



            يتجلى لنا الجمال على كرسي مجده فنقترب منه.



            وباسم الشوق ندنّس أذياله,



            ونخلع عنه تاج طهره.



            يمرُّ بنا الحبُّ مكتسيًا ثوبَ الوداعة, فنخافه ونختبئ في



            مغاور الظلمة, أو نتبعه ونفعل باسمه الشرور. والحكيم



            بيننا يحمّله نيرًا ثقيلاً وهو ألطف من أنفاس الأزهار



            وأرق من نسيماتِ لبنان.



            تقف الحكمة في منعطفات الشوارع,



            وتنادينا على رؤوس الأشهاد,



            فنحسبها بُطلاً ونحتقر متَّبِعِيها.



            تدعونا الحرية إلى مائدتها لنلتذَّ بخمرها وأطعمتها, فنذهب ونشره...



            فتصير تلك المائدة مسرحًا للابتذال ومجالاً لاحتقار الذات.



            تمدُّ الطبيعَةُ نحونا يد الولاء,



            وتطلب منا أن نتمتع بجمالها, فنخشى سكينتها ونلتجئ



            إلى المدينة, وهناك نتكاثر بعضُنَا على بعض كقطيع رأى ذئبًا خاطفًا.



            تزورنا الحقيقة منقادة بابتسامة طفل, أو قبلة محبوبة,



            فنوصد دونها أبواب عواطفنا ونغادرها كمجرم دنس



            القلب البشري يستنجد بنا,



            والنفس تنادينا...



            ونحن أشدُّ صَمَمًا من الجماد لا نعي ولا نفهم.



            وإذا ما سمع أحد صراخ قلبه ونداء نفسه, قلنا:



            هذا ذو جِنَّة, وتبرَّأنا منه.



            هكذا تمر الليالي ونحن غافلون.



            وتُصَافِحُنَا الأيَّامُ ونحن خائفون من الليالي والأيام.



            نقترب من التراب,



            والآلهة تنتمي إلينا.



            ونمرُّ على خبز الحياة, والمجاعة تتغذى من قوانا.



            فما أحب الحياة إلينا,



            وما أبعَدَنَا عن الحياة

            ----------

            من كتاب دمعة وابتسامة

            تعليق


            • #7
              عرش الجمال




              هربتُ من الاجتماع وهِمْتُ في ذاك الوادي الواسع...



              مصغيًا إلى محاورات العصافير... وجلستُ أسامِرُ وَحْدَتي وأناجي نفسي.



              نفس ظامئة رأت كل ما يرى سرابًا وكل ما لا يرى شرابًا.



              ولما انطَلَقَتْ عاقِلَتي من محبس المادة إلى فضاء الخيال,



              التفتُّ فإذا... حورية لم تتخذ من الحلي والحلل سوى غصن من الكرمة تستر



              به بعضَ قامَتِها, وإكليلٍ من الشقيق يجمع شعرها الذهبي...



              وإذ عَلمَتْ من نظراتي أنني مسلوب الفجأة والحيرة, قالت:



              أنا ابنة الأحراج فلا تجزع.



              ... أنا رمز الطبيعة.



              أنا العذراء التي عبدها آباؤك فبنوا لها مذابح وهياكل في بعلبك وأفقا وجبيل...



              أما ألوهيتي فهي مستمدة من جمال تراه كيفما حولت عينيك.



              جمال هو الطبيعة بأسرها.



              جمال كان بدء سعادة الراعي بين الربى,



              والقروي بين الحقول,



              والعشائر الرحل بين الجبل والساحل.



              جمال كان للحكيم مرقاة إلى عرش حقيقة لا تجرح.



              قلتُ ودقاتُ قلبي تقول ما لا يعرفه اللسان:



              إن الجمال قوة مخيفة رهيبة.



              فقالت وعلى شفتيها ابتسامة الأزهار,



              وفي نَظَرِها أسرارُ الحياة:



              أنتم البشر تخافون كل شيء حتى ذواتكم.



              تخافون السماء وهي منبع الأمن.



              تخافون الطبيعة وهي مرقد الراحة...



              وبعد سكينة مازَجَتْهَا الأَحلامُ اللَّطيفة سألتها:



              ما هذا الجمال...?



              قالت:



              هو ما كان بنفسك جاذب إليه.



              هو ما تراه وتودُّ أن تُعطِي لا أن تأخذ.



              هو ما شَعَرْتَ, عند ملقاه, بأيد ممدودةٍ لضمّه إلى أعماقك.



              هو ما تحسبه الأجسام محنة والأرواح منحة.



              هو ألفة بين الحزن والفرح.



              هو ما تراه محجوبًا وتعرفه مجهولاً وتسمعه صامتًا.



              هو قوة تبتدئ في قدس أقداس ذاتك وتنتهي فيما وراء تخيلاتك...



              واقتَرَبَت ابنَةُ الأحراج منِّي,



              ووضعت يدها المُعَطَّرة على عيني, ولما رَفَعَتْهَا رأيْتُنِي وحيدًا في ذلك الوادي.



              فرجعت ونفسي مردّدة:



              إن الجمال هو ما تراه وتود أن تعطي لا أن تأخذ



              < فقرات من مقال في كتاب (دمعة وابتسامة) >

              تعليق


              • #8
                مقال في كتاب (العواصف) لجبران خليل أنا غريب في هذا العالم.

                أنا غريب وفي الغربة وحدة قاسية ووحشة موجعة,

                غير أنها تجعلني أفكر أبدًا بوطن سحري لا أعرفه,

                وتملأ أحلامي بأشباح أرض قصية ما رأتها عيني.

                أنا غريب عن أهلي وخلاني, فإذا ما لقيت واحدًا منهم

                أقول في ذاتي:

                من هذا? وكيف عرفته?

                وأي ناموس يجمعني به? ولماذا أقترب منه وأجالسه?

                أنا غريب عن نفسي, فإذا سمعت لساني متكلمًا تستغرب أذني

                صوتي. وقد أرى ذاتي الخفية ضاحكة, باكية, مستبسلة,

                خائفة... فيعجب كياني بكياني,

                وتستفسر روحي روحي,

                ولكنني أبقى مجهولاً مستترًا,

                مُكتَنَفًا بالضباب,

                محجوبًا بالسكوت.

                أنا غريب عن جسدي, وكلما وقفت أمام المرآة أرى في

                وجهي ما لا تشعر به نفسي, وأجد في عيني ما لا تُكِنُّه أعماقي.

                أسير في شوارع المدينة فيتبعني الفتيان صارخين:

                هوذا الأعمى فلنعطِه عكازة يتوكأ عليها, فأهرب منهم مسرعًا.

                ثم ألتقي سربًا من الصبايا فيتشبَّثن بأذيالي قائلات:

                هو أطرش كالصخر فلنملأ أذنيه بأنغام الصبابة والغزل, فأتركهنَّ راكضًا.

                ثم ألتقي جماعة من الكهول فيقفون حولي قائلين:

                هو أخرس كالقبر فتعالوا نقوّم اعوجاج لسانه, فأغادرهم خائفًا.

                ثم ألتقي رهطًا من الشيوخ فيومئون نحوي بأصابع مرتعشة قائلين:

                هو مجنون أضاع صوابه في مسارح الجن والغيلان.

                أنا غريب في هذا العالم.

                أنا غريب وقد جُبتُ مشارق الأرض ومغاربها, فلم أجد

                مسقط رأسي ولا لقيت من يعرفني ولا من يسمع بي.

                أستيقظ في الصباح فأجدني مسجونًا في كهف مظلم

                تتدلَّى الأفاعي من سقفه وتدب الحشرات في جنباته, ثم

                أخرج إلى النور فيتبعني خيال جسدي.

                أَمَّا نفسي فتسير أمامي إلى حيث لا أدري, باحثة عن

                أمور لا أفهمها, قابضة على أشياءَ لا حاجة لي بها.

                وعندما يجيء المساء, أعود وأضطجع على فراشي

                المصنوع من ريش النعام وشوكِ القَتَاد, فتراودني أفكار

                غريبة, وتتناوبني ميول مزعجة, مفرحة, موجعة, لذيذة...

                وعندما ينتصف الليل تدخل عليّ, من شقوق الكهف,

                أشباح الأزمنة الغابرة,

                وأرواح الأمم المنسية...

                فأحدّق إليها وتحدّق إليّ,

                وأخاطبها مستفهمًا فتجيبني مبتسمة.

                ثم أحاول القبض عليها فتتوارى مضمحلة كالدخان.

                أنا غريب في هذا العالم.

                أنا غريب وليس في الوجود من يعرف كلمة من لغة نفسي.

                أسير في البرّيَّة الخالية, فأرى السواقي تتصاعد

                متراكضة من أعماق الوادي إلى قمة الجبل, وأرى

                الأشجار العارية تكتسي وتزهر وتثمر وتنثر أوراقها في

                دقيقة واحدة, ثم تهبط أغصانُها إلى الحضيض وتتحوَّل

                إلى حياتٍ رقطاء مرتعشة. وأرى الأطيارَ تنتقل

                متصاعدة, هابطة, مغردة, مولوِلة, ثم تقف وتفتح

                أجنحتها وتنقلب:

                نساء عاريات,

                محلولات الشعر,

                ممدودات الأعناق...

                ينظرْنَ إليّ من وراءِ أجفانٍ مكحولةٍ بالعشق,

                ويبتسمن لي بشفاه ورديَّةٍ مغموسةٍ بالعسل,

                ويمدُدْنَ نحوي أيديا بيضاء, ناعمة, معطرة بالمر

                واللبان, ثم ينتفضن ويختفين عن ناظري ويضمَحْلَلْنَ

                كالضباب تاركات في الفضاء صَدَى ضَحِكِهِنَّ منّي واستهزائِهِنَّ بي.

                أنا غريب في هذا العالم.

                أنا شاعر أنظم ما تنثره الحياة

                وأنثر ما تنظمه.

                ولهذا أنا غريب وسأبقى غريبًا حتى تخطفني المنايا وتحملني إلى وطني

                تعليق


                • #9
                  مقتطفات مما كتبه جبران خليل جبران عن الصداقة



                  اذا أوضح لك صديقك فكرة
                  فلا تخش ان تصرح بما في فكرك من النفي
                  ....أو ان تحتفظ بما في ذهنك من الإيجاب

                  وإذا صمت صديقك ولم يتكلم
                  فلا ينقطع قلبك عن الإصغاء الى صوت قلبه

                  لأن الصداقة لا تحتاج الى الألفاظ والعبارات
                  في إنماء جميع الأفكار والرغبات والتمنيات
                  التي يشترك الأصدقاء بفرح عظيم في قطف ثمارها اليانعات


                  وإن فارقت صديقك فلا تحزن على فراقه
                  لأن ما تتعشقه فيه أكثر من كل شيء سواه
                  قد يكون حين غيابه أوضح في عيني محبتك منه في حين حضوره


                  لأن الجبل يبدو لمن ينظر اليه من السهل
                  ...أكثر وضوحا مما يظهر لمن يتسلقه

                  ولا يكن لكم في الصداقة من غاية ترجونها
                  غير ان تزيدوا في عمق نفوسكم

                  لأن المحبة التي لا رجاء لها
                  سوى كشف الغطاء عن أسرارها
                  ليست محبة
                  بل هي شبكة تلقى في بحر الحياة
                  ولا تمسك غير النافع

                  وليكن أفضل ما عندك لصديقك

                  فإن كان يجدر به ان يعرف جزر حياتك
                  ...فالأجدر بك أيضا أن تظهر له مدها


                  وما قيمة صديقك الذي لا تطلبه الا لتقضي معه
                  ما تريد ان تقتله من وقتك؟؟
                  فاسع بالأحرى الى الصديق الذي يحيى أيامك ولياليك

                  وليكن ملاك الأفراح واللذات المتبادلة مرفرفا فوق حلاوة الصداقة
                  لأن القلب يجد صباحه في الندى العالق بالأشياء الصغيرة

                  تعليق


                  • #10
                    رسائل مي زيادة وجبران خليل
                    (...جبران! لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب. إن الذين لا يتاجرون بمظهر الحب ودعواه في
                    المراقص والاجتماعات، ينمي الحب في أعماقهم قوة ديناميكية قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في اللألأ السطحي لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر، ولكنهم يغبطون الآخرين على راحتهم دون أن يتمنوها لنفوسهم، ويفضلون وحدتهم، ويفضلون السكوت، ويفضلون تضليل القلوب عن ودائعها، والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة. ويفضلون أي غربة وأي شقاء (وهل من شقاءٍ في غير وحدة القلب؟) على الاكتفاء بالقطرات الشحيحة.
                    ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب. أقول هذا مع علمي أن القليل من الحب الكثير. الجفاف والقحط واللاشيء بالحب خير من النزر اليسير.
                    كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا. وكيف أفرط فيه؟ لا أدري.
                    الحمد لله أني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به لأنك لو كانت الآن حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً، فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى.
                    حتى الكتابة ألوم نفسي عليها، لأني بها حرة كل هذه الحرية.. أتذكر قول القدماء من الشرقيين: إن خير للبنت أن لا تقرأ ولا تكتب.
                    إن القديس توما يظهر هنا وليس ما أبدي هنا أثراً للوراثة فحسب، بل هو شيء أبعد من الوراثة. ما هو؟ قل لي أنت ما هو. وقل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى فإني أثق بك.. وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة فإن قلبي يسير إليك، وخير ما يفعل هو أن يظل حائماً حواليك، يحرسك ويحنو عليك.
                    ... غابت الشمس وراء الأفق، ومن خلال السحب العجيبة الأشكال والألوان حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزهرة، آلهة الحب، أترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون؟ ربما وجد فيها بنت هي مثلي، لها جبران واحد، حلو بعيد هو القريب القريب. تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء، وتعلم أن الظلام يخلف الشفق، وأن النور يتبع الظلام، وأن الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة قبل أن ترى الذي تحب، فتتسرب
                    إليها كل وحشة الشفق، وكل وحشة الليل، فتلقي بالقلم جانباً لتحتمي من الوحشة في اسم واحد: جبران).

                    تعليق


                    • #11
                      رسائل جبرات الى مــي
                      نيويورك 2 كانون الثاني 1914


                      حضرة الأديبة الفاضلة

                      قد فكرت بأمور كثيرة في تلك الشهور الخرساء التي مرت بدون خطاب ولا جواب ولكنه لم يخطر على بالي كونك " شريرة" أما الآن وقد صرّحت لي بوجود الشر في روحك فلا يجمل بي سوى تصديقك فأنا أصدق وأثق بكل كلمة تقولينها لي ! أنت بالطبع تفتخرين بقولك أنا شريرة ويحق لك الافتخار لأن الشر قوة تضارع الخير بعزمها وتأثيرها . ولكن اسمحي لي أن أقول لك مصرحاً بأنك مهما تماديت بالشر فلا تبلغين نصف ما بلغته فأنا شرير كالأشباح الساكنة في كهوف الجحيم بل أنا شرير كالروح السوداء التي تحرس أبواب الجحيم ! وأنت بالطبع ستصدقين كلامي هذا !.

                      غير أنني للآن لم أفهم الأسباب الحقيقية التي دعتك إلى استخدام الشر ضدي فهلا تكرمت بافهامي ؟ قد أجبت على كل رسالة تكرمت بها عليّ واسترسلت متعمقاً بمعاني كل لفظة تعطفت بهمسها في أذني فهل هناك أمر آخر كان يجب عليّ أن أفعله ؟ أو لم تبدعي لي من " لا شيء" ذنباً لتبيني لي مقدرتك على الاقتصاص ؟ لقد فلحت وأحسنت البيان , أما أنا فقد آمنت باقنومك الجديد الكلي المطلق الجامع بين أسياف " كالي" ربة الهند وسهام " ديانا" معبودة الأغريق .

                      والآن وقد فهم كل منا ما في روح الآخر من الشر والميل إلى الاقتصاص فلنعد إلى متابعة الحديث الذي ابتدأنا به منذ عامين . كيف أنت وكيف حالك ؟ هل أنت بصحة وعافية ( كما يقول سكان لبنان )؟ هل خلعت ذراعاً ثانية في الصيف الماضي أم منعتك والدتك من ركوب الخيل فعدت إلى مصر صحيحة الذراعين ؟ أما أنا فصحتي أشبه شيء بحديث السكران وقد صرفت الصيف والخريف متنقلاً بين أعالي الجبال وشواطئ البحر ثم عدت إلى نيويورك أصفر الوجه نحيل الجسم لمتابعة الأعمال ومصارعة الأحلام تلك الأحلام الغريبة التي تصعد بي إلى قمة الجبل ثم تهبط بي إلى أعماق الوادي .

                      وقد سررت باستحسانك مجلة الفنون فهي أفضل ما ظهر من نوعها في العالم العربي , أما صاحبها فهو فتى عذب النفس دقيق الفكر وله كتابات لطيفة وقصائد مبتكرة ينشرها تحت اسم " ليف" ومما يستدعي الإعجاب بهذا الشاب هو أنه لم يترك شيئاً مما كتبه الافرنج إلا وعرفه حق المعرفة . أما صديقنا أمين الريحاني فقد ابتدأ بنشر رواية جديدة طويلة في مجلة فنون وقد قرأ لي أكثر فصولها فوجدتها جميلة للغاية ولقد أخبرت صاحب الفنون بأنك سوف تبعثين إليّ بمقالة ففرح وبات يترقب .

                      بكل أسف أقول انني لا أحسن الضرب على آلة من آلات الطرب ولكنني أحب الموسيقى محبتي الحياة ولي ولع خاص بدرس قواعدها ومبانيها والتعمق بتاريخ نشأتها وارتقائها , فان ابقتني الأيام سأكتب رسالة طويلة في الدوائر العربية والفارسية وكيفية ظهورها وتدرجها وتناسخها .

                      ولي ميل للموسقى الغربية يضارع ميلي للأنغام الشرقية فلا يمر أسبوع إلا وأذهب مرة أو مرتين إلى الأوبرا غير أني أفضل من البيان الموسيقي الأفرنجي تلك المعروفة بالسنفوني والسوناتا والكنتاتا على الأوبرا والسبب في ذلك خلوّ الأوبرا من البساطة الفنية التي تناسب أخلاقي وتتمايل مع أميالي . واسمحي لي الآن أن أغبط يدك على عودك وعودك على يدك وأرجوك أن تذكري اسمي مشفوعاً باستحساني كلما ضربت نغم النهوند على الأوتار فهو نغم أحبه ولي رأي فيه يشابه رأي " كارليل في النبي محمد ". ( كارلايل : أديب ومؤرخ انكليزي درس بعضا من العربية في جامعة كمبردج سنة 1795 وكتب عن النبي محمد فصلا ضمنه إعجابه بشخصيته البطولية في مؤلفه " الأبطال , عبادة الأبطال , والبطولة في التاريخ "

                      وهلا تكرمت بذكري أمام هيبة أبي الهول ؟ عندما كنت في مصر كنت أذهب مرتين في الأسبوع واصرف الساعات الطوال جالساً على الرمال الذهبية محدقاً بالأهرام وكنت في ذلك العهد صبياً في الثامنة عشرة ذا نفس ترتعش أمام المظاهر الفنية ارتعاش الأعشاب أمام العاصفة , أما أبو الهول فكان يبتسم لي ويملأ قلبي بحزن عذب وندبات مستحبة .

                      أنا معجب مثلك بالدكتور شميل فهو واحد من القليلين الذين انبتهم لبنان ليقوموا بالنهضة الحديثة في الشرق الأدنى وعندي أن الشرقيين يحتاجون إلى أمثال الدكتور شميل حاجة ماسة كرد فعل للتأثير الذي أوجده الصوفيون والمتعبدون في القطرين مصر وسوريا .

                      هل قرأت الكتاب الفرنساوي الذي وضعه خير الله افندي خير الله ؟ أنا لم أره بعد وقد أخبرني صديق أن في الكتاب فصل عنك وفصل آخر عني فإذا كان لديك نسختان تكرمي بإرسال نسخة منهما إليّ وأجرك على الله .

                      ها قد انتصف الليل فليسعد الله مساءك ويبقيك للمخلص .

                      تعليق


                      • #12
                        من جبران إلى مي ..!!


                        لقد أعادت رسائلك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع وألف خريف وأوقفتني ثانية أمام تلك الأشباح التي كنا نبتدعها ونسيرها مركبا إثر مركب .. تلك الأشباح التي ما ثار البركان في أوروبا حتى انزوت محتجة بالسكوت , وما أعمق ذلك السكوت وما أطوله ! .
                        هل تعلمين يا صديقتي بأني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة , وهل تعلمين بأني كنت أقول لذاتي , هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا , قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي اتخذه جبابرة الصباح ثم اتخذت بلادي بلادا لها وقومي قوما لها .
                        هل تعلمين بأني كنت أهمس هذه الأنشودة في أذن خيالي كما وردت على رسالة منك ولو علمت لما انقطعت عن الكتابة إلي , وربما علمت فانقطعت وهذا لا يخلو من أصالة الرأي والحكمة .
                        جبران خليل جبران
                        9 شباط 1919

                        تعليق


                        • #13
                          من مي إلى جبران

                          صديقي جبران
                          لقد توزع في المساء بريد أوروبة وأمريكة , وهو الثاني من نوعه في هذا الأسبوع , وقد فشل أملي بأن تصلني فيه كلمة منك . نعم إني تلقيت منك في الأسبوع الماضي بطاقة عليها وجه القديسة حنة الجميل , ولكن هل تكفي الكلمة الواحدة على صورة تقوم مقام سكوت شهر كامل .
                          ... لا أريد أن تكتب إلي إلا عندما تشعر بحاجة إلى ذلك أو عندما تنيلك الكتابة سرورا , ولكن أليس من الطبيعي أن أشرئب إلى أخبارك كلما دار موزع البريد على الصناديق يفرغ فيها جعبته ! .. أيمكن أن أرى الطوابع البريدية من مختلف البلدان على الرسائل , حتى طوابع الولايات المتحدة وعلى بعضها اسم نيويورك واضح , فلا أذكر صديقي ولا أصبو إلى مشاهدة خط يده ولمس قرطاسه .
                          ... ولتحمل إليك رقعتي هذه عواطفي فتخفف من كآبتك إن كنت كئيبا , وتواسيك إن كنت في حاجة إلى المواساة , ولتقوك إذا كنت عاكفا على عمل ولتزد في رغدك وانشراحك إذا كنت منشرحا سعيدا .
                          مي زيادة
                          11 آذار 1925من مي إلى جبران ...

                          تعليق


                          • #14
                            جد خيتي يسلموا ع الموضوع اسمحيلي اضيف بعض من مقولاته

                            اعطني اذنا اعطك صوتا .. العقل اسفنجة والقلب جدول ، افليس بالغريب ان اكثرنا يؤثرون الامتصاص على الانطلاق .
                            *اذا كنت لاترى الا مايظهره النور ، ولا تسمع الا ما تعلنه الاصوات ، فانت بالحقيقة لاترى ولا تسمع.
                            وهاد شوي من الحكي إلي كان يحكي بالحب

                            نحبهم...لكن لا نقترب منهم !!
                            فهم في البعد أحلى ؟! وهم في البعد أرقى !
                            وهم في البعد أغلى
                            شكراً ^^

                            تعليق


                            • #15
                              أعجبني هذا التواصل حقاً بين الاثنين ..وان شعرت هناك نوع من الفتور ..أو لنقل لا يوجد دفىء في العلاقة بينهما وخاصة في رسالة مي الأخيرة
                              شكراً لاختيارك الرائع يا شهد نابلس ودمت في حفظ الله

                              تعليق

                              يعمل...
                              X