«في انحناءة السنبلة… تختبئ حكاية عمر»

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • «في انحناءة السنبلة… تختبئ حكاية عمر»


    جلس على كرسيّه الحديدي، وأخذ يتأمل حقول القمح والشعير من بعيد…
    كانت السنابل قد اصفرّت، وكأنها ترتدي ثوب الوداع بعد موسمٍ طويل من التعب والصبر وانتظار المطر.
    نظر إليها طويلًا، ثم ابتسم ابتسامةً تحمل من الذكريات أكثر مما تحمل من الفرح، وقال في نفسه:
    «هكذا هي الحياة… لا شيء يبقى على حاله.»
    كانت يومًا نبتةً صغيرة، خضراء، يافعة، تتمايل مع أول نسمة هواء، وتتشبث بالأرض وكأنها لن تفارقها أبدًا.
    ثم كبرت، واشتد عودها، وحملت في داخلها ثمرة تعبها… حتى جاء اليوم الذي انحنت فيه.
    ولم يكن انحناؤها ضعفًا…
    فالسنابل لا تنحني إلا حين تمتلئ.
    كم يشبه الإنسان تلك السنابل!
    نبدأ حياتنا نحمل أحلامًا كبيرة، ونركض خلف المستقبل كأن العمر طويل، ونظن أن الطريق سيبقى مفتوحًا أمامنا إلى الأبد.
    ثم تمضي السنوات، ونكتشف أن أجمل ما في الحياة لم يكن الوصول… بل أولئك الذين مشوا معنا في الطريق.
    أصدقاء كانوا بالأمس قريبين، أصبحوا اليوم ذكرى.
    بيوت كانت تعج بالأصوات والضحكات، صارت أبوابها تحفظ صدى الغائبين.
    وأشخاص كنا نظن أنهم سيبقون معنا حتى آخر الطريق، أخذتهم الأيام إلى طرقٍ لم نعرفها.
    حتى نحن… لم نعد أولئك الذين كناهم.
    كبرنا، وتعبنا، وخسرنا أشياء كثيرة، وربحنا أشياء لم نكن نعرف قيمتها إلا بعد أن دفعنا ثمنها من أعمارنا.
    أما الآن، فقد أضناه المسير بين منعطفات الأيام، وأوشك أن يتمّ دورته هو الآخر.
    لم يعد يبحث عن الكثير…
    لا يريد ضجيجًا، ولا شهرة، ولا تصفيقًا.
    يريد فقط قلبًا مطمئنًا، ووجهًا يحبه، وذكرى جميلة لا تؤلمه حين تعود إليه.
    يريد مساءً هادئًا يشبه مساءات الزمن الجميل…
    حين كان يكفي أن تجلس مع من تحب على عتبة البيت، وتشرب فنجان قهوة، وتسمع حكايات الكبار، وتضحك من القلب دون أن تسأل نفسك: متى ستنتهي هذه الأيام؟
    يا لها من أيام!
    كنا نملك فيها القليل، لكن قلوبنا كانت ممتلئة.
    أما اليوم، فقد امتلكنا أشياء كثيرة، وفقدنا معها شيئًا لا يُشترى…
    راحة القلب.
    وفي آخر العمر، لا يعود الإنسان يقيس غناه بما جمع، ولا نجاحه بما حقق، بل بما تركه خلفه من قلوبٍ أحبته، وأشخاصٍ يذكرونه بالخير، وأثرٍ طيب لا تمحوه السنوات.
    فالسنابل حين يحين حصادها لا تسأل:
    كم ارتفعت؟
    ولا كم مرة هزّتها الرياح؟
    بل يكفي أنها أثمرت.
    وكذلك نحن…
    لسنا مطالبين بأن نبقى واقفين إلى الأبد، ولا أن نهزم الزمن، ولا أن نمنع الأيام من أخذ ما تحب.
    يكفينا أن نعيش بصدق، ونحب بصدق، ونترك خلفنا شيئًا يشبهنا…
    كلمة طيبة، موقفًا لا يُنسى، يدًا امتدت في وقت الحاجة، أو قلبًا جعلناه يبتسم في يومٍ كان مثقلًا بالحزن.
    وحين يأتي موسم الحصاد الأخير…
    سنفهم أن العمر لم يكن بعدد السنين التي عشناها،
    بل بعدد اللحظات التي شعرنا فيها أننا كنا أحياء حقًا.
    وسيظل في القلب شيء من الحنين…
    لأيامٍ مضت، ووجوهٍ غابت، وأماكن لم تعد كما كانت.
    لكننا سنبتسم لها بهدوء ونقول:
    مررنا من هنا ذات يوم…
    تعبنا، أحببنا، حلمنا، خسرنا، ربحنا، ثم انحنينا قليلًا تحت ثقل السنين…
    ولم يكن انحناؤنا انكسارًا،
    بل لأننا امتلأنا بالحياة.
    فطوبى لمن جاء يوم حصاده، وكان في داخله من الخير ما يجعل انحناءه أمام الله أجمل من كل وقوفٍ في الدنيا.
عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X