ليس كل من يقف على الرصيف ينتظر حافلةً أو سيارة أجرة، فبعضهم يقف هناك ينتظر فرصةً تعيد إليه شيئًا من كرامته، أو يومًا يحمل إلى بيته رغيفًا حلالًا، أو يدًا تمتد إليه بالعمل لا بالشفقة.
ترى الرجل يحمل أدواته في حقيبةٍ أكل الزمن أطرافها، وكأنها تشبه حياته؛ متعبة، لكنها ما زالت صامدة. يجلس منذ الصباح، يراقب الوجوه العابرة، وكل سيارة تتوقف توقظ في قلبه أملاً جديدًا، ثم تمضي فيعود الأمل ليجلس إلى جواره بصمت.
ينظر إلى المارة بعينٍ يسكنها الرجاء، لا يسألهم مالًا، ولا يمد إليهم كفًا، بل يطلب فرصةً يقول فيها: "دعوني أعمل... فأنا أحب أن آكل من تعب يدي."
تمر الساعات بطيئة، والشمس تحرق الوجوه، والعطش يثقل الحلق، والجوع يهمس في المعدة، لكنه يبقى واقفًا، لأن الكرامة عنده أغلى من الاستسلام، ولأن انتظار الرزق أهون عليه من انتظار الصدقات.
وحين تميل الشمس إلى الغروب، يحمل أدواته بخطواتٍ أثقل من الصباح، لا لأنه تعب جسدًا فقط، بل لأن الأمل عاد معه خالي الوفاض. يعود إلى بيته، وربما ينتظره أطفالٌ يسألون ببراءة: "أبي... هل وجدت عملاً اليوم؟" فيبتسم رغم انكساره، ويخفي دمعةً كادت تفضحه، ويجيبهم بكلماتٍ ينسجها من الصبر: "غدًا بإذن الله."
ما أجمل هذا الإيمان الذي يجعل الإنسان يعود في اليوم التالي إلى المكان نفسه، بالقلب نفسه، وبالدعاء نفسه، وكأنه يوقن أن الرزق لا يضيع، وإنما يأتي في الموعد الذي كتبه الله.
فهؤلاء لا ينتظرون صدقةً، بل ينتظرون بابًا يُفتح، ويدًا تُقدِّر تعبهم، ونظرةً ترى فيهم قيمة الإنسان قبل مظهره.
ولعل أجمل ما في قصتهم أنهم يعلموننا درسًا عظيمًا: أن الرجولة ليست في كثرة المال، بل في الإصرار على طلب الحلال. وأن الشرف ليس فيما نملك، بل في الطريقة التي نسعى بها. وأن الأمل، مهما أرهقته الأيام، يبقى أقوى من اليأس إذا كان القلب معلَّقًا بالله.
ارحموا من أنهكتهم الحياة، ولا تحكموا على الناس من ثيابهم، فقد يكون صاحب الثوب البالي أغنى عند الله من أصحاب القصور، لأنه يحمل قلبًا امتلأ صبرًا، ولسانًا لا يزال يردد: الحمد لله.
"ليس أفقر الناس من قلَّ ماله، بل من فقد أمله، وليس أغناهم من كثرت دنياه، بل من امتلأ قلبه يقينًا بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى."
اللهم ارزق كل ساعٍ من واسع فضلك، وافتح أبواب الرزق لكل من خرج يطلب الحلال، واجعل في تعبهم بركة، وفي انتظارهم فرجًا، وفي صبرهم أجرًا، إنك على كل شيءٍ قدير.