كان للزمن القديم طقوسه التي لا تُشترى، وأصواته التي لا تُنسى. ولم تكن صافرة القطار مجرد إشارة لانطلاق رحلة، بل كانت نبض مدينة بأكملها، وموعدًا يوميًا تحفظه الذاكرة أكثر مما تحفظه الساعات.
في ذلك الزمن، حين كانت الزرقاء مدينة هادئة، قليلة البيوت، واسعة القلب، كانت صافرة القطار المتجه إلى دمشق تشق سكون الصباح، فيستيقظ الناس على صوتها قبل أن يعرفوا المنبّهات الحديثة. كان أهل المدينة يقولون ببساطة: "مرّ الترين"، وكأنهم يتحدثون عن جارٍ يعرفونه، لا عن وسيلة نقل.
وكان القطار، أو كما سماه المصريون "الوابور"، حاضرًا في وجدان الناس حتى تغنى به محمد عبد الوهاب: "يا وابور... قلّي رايح على فين؟" فلم يكن الوابور مجرد حديد يسير على القضبان، بل كان يحمل الأشواق، ويصل القلوب قبل أن يصل المدن.
كانت تذكرة السفر إلى الشام لا تتجاوز نصف دينار، لكن قيمتها كانت أكبر من المال؛ فهي تذكرة إلى مدينة تعبق بالياسمين، وأسواقها تنبض بالحياة، وأزقتها تحفظ حكايات العابرين. تستغرق الرحلة ثماني أو تسع ساعات، لكنها لم تكن ساعات ضائعة، بل كانت مساحة واسعة للأحاديث، والضحكات، وتأمل الحقول، وانتظار الوصول بشوق لا يعرفه جيل السرعة.
كانت مقاعد القطار الخشبية متواضعة، لكنها جمعت غرباء أصبحوا أصدقاء، وحملت أطفالًا يطلون من النوافذ بدهشة، وآباءً يحملون أحلام أسرهم، وأمهات يعدن بحقائب تفوح منها رائحة الشام.
وحين يعود القطار إلى الزرقاء، كان المشهد أشبه بالعيد. تمتلئ العربات بأكياس المؤونة، وعلب البرازق، وشوكولاتة غراوي، وباكيات الناشد، والأقمشة القطنية، وكل ما اشتهرت به أسواق دمشق. وعلى الرصيف يقف العتّالون بسلالهم الكبيرة، يحملون البضائع، بينما تحمل وجوههم ابتسامة الرزق، ويحمل القادمون فرحة العودة.
وكان عبور القطار حدثًا بحد ذاته؛ تتوقف السيارات عند الحواجز، ويتصاعد الدخان من القاطرة، ويملأ صوت الحديد المكان هيبةً لا تزال عالقة في الذاكرة. لم يكن أحد يتذمر من الانتظار، بل كان الجميع يقفون احترامًا لذاك القادم من سفرٍ طويل، وكأنه ضيف عزيز.
وإذا ذُكرت الزرقاء القديمة، فلا يمكن أن تُذكر صافرة القطار وحدها، بل تحضر معها ملامح مدينة كانت تنبض بالحياة والبساطة: قصر شبيب شامخًا يحرس التاريخ، والحاووز شاهدًا على زمن الماء، وذاكرة نهر الزرقاء حين كان يجري بين ضفتيه، تحفّه شجيرات الدفلى، وتحيط به غابات المشمش والجوز، ومصاطب الخس والشومر، وتوت العليق، والأسماك التي تملأ مياهه، وصوت الضفادع الذي كان موسيقى الليل، قبل أن تطغى ضوضاء المدن على همس الطبيعة.
لقد كانت تلك الأيام أقلَّ رفاهية، لكنها أكثر دفئًا. كانت البيوت أصغر، لكن القلوب أوسع. وكانت الطرق أطول، لكن اللقاءات أقرب. وكانت الرحلات أبطأ، لكنها تترك في القلب عمرًا كاملًا من الذكريات.
إن الحنين ليس اشتياقًا إلى القطار نفسه، ولا إلى المقاعد الخشبية، ولا حتى إلى الأسواق... بل هو شوق إلى زمنٍ كانت فيه الحياة أبسط، والعلاقات أصدق، والفرح يُولد من الأشياء الصغيرة.
سلامٌ على الزرقاء حين كانت تستيقظ على صافرة القطار، لا على رنين الهواتف.
وسلامٌ على الشام حين كانت محطةً للأشواق قبل أن تكون وجهةً للمسافرين.
وسلامٌ على أولئك الذين حملوا حقائبهم، وعادوا محمّلين بالمؤونة... وبذكرياتٍ ما زالت، إلى اليوم، تُطعم الروح كلما جاعت إلى الماضي.