"إذا أردت أن تأكل من لحمي، فلا تنسَ أن تُحضر الملح الذي كان بيننا."
ليست كل الخيبات تأتي من الأعداء، فبعض الجراح لا يتركها إلا من جلس معك على مائدة الود، واقتسم معك الخبز، وشرب من كأس الوفاء، ثم اختار أن يكون أول من يطعنك حين سنحت له الفرصة.
فالملح بين الناس ليس مجرد مذاق للطعام، بل هو عهدٌ خفي، وذكرياتٌ لا تُشترى، وأيامٌ كان فيها القلب يسبق اللسان، وكانت النوايا أنقى من كل الكلمات. ومن عرف قيمة الملح، عرف أن الغدر ليس مجرد موقف... بل سقوطٌ أخلاقي لا ترفعه الأعذار.
وما أقسى أن يتحول من كان يومًا سندًا إلى شاهد زور، ومن كان يحفظ الود إلى أول من يتنكر له. عندها لا يؤلمك الرحيل بقدر ما يؤلمك أن من رحل حمل معه كل الوعود، وترك لك صدى الذكريات.
ومع ذلك... يبقى أصحاب النفوس الكريمة لا يردون الإساءة بالإساءة، ولا يبادلون الخيانة بمثلها، لأنهم يعلمون أن القيم لا تتغير بتغير الأشخاص، وأن الوفاء خُلُقٌ يُمارس، لا صفقةٌ تُعقد.
فإذا ضاقت بك الأيام، فلا تأسف على من نسي الملح الذي كان بينكما، بل احمد الله أنك كنت وفيًّا حتى النهاية، فالوفاء شرف، وإن خانه الآخرون.
مما طاب لي...
ليس كل من شاركك الخبز استحق أن يبقى في ذاكرتك، لكن كل من حفظ "ملح العِشرة" استحق أن يبقى في قلبك، مهما باعدت بينكما الأيام.