الكلب الذي يرفع السعر ويخفض القيمة

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الكلب الذي يرفع السعر ويخفض القيمة


    خلال ذهابي هذا الصباح إلى سوق الحلال رأيت ما لم يكن بالحسبان.
    رأيت عشرة رجال يلتفون حول عنز، وكل منهم يصدر ضجيجًا بالأرقام؛ هذا يقول: 200، وآخر يقول: 210، وثالث يرفعها إلى 215، ورابع إلى 226. كانوا قد أغلقوا الطريق تمامًا، وبعضهم يرتشف الشاي، وآخر يغمس قطعة كعك في الحليب، وثالث يلف سيجارة "هيشي" وكأن الأمر مجلس سمر لا مزاد بيع.
    أعجبتني العنز، فدخلت لأزيد عليها.
    فأمي تعلم — أو هكذا تظن — أنني خبير بالماعز، وكانت قد أوصتني هذه المرة أن تكون العنز "على الفرازة"، أي من النوع الممتاز الذي لا يُشترى كل يوم.
    توقفت بينهم ورفعت السعر إلى 230.
    ساد الصمت.
    لم يتكلم أحد...
    إلا كلبٌ باسطٌ ذراعيه أمام صاحب العنز.
    زاد دينارًا.
    فزدت.
    فعاد وزاد دينارًا.
    ودارجني حتى وصل سعر العنز إلى 300 دينار.
    عندها ابتسم ذلك الكلب وقال لصاحب العنز:
    "بيع يا عمي... بيع."
    فباعني الرجل.
    وبعد أن انتهى الأمر رأيتهم يلتفون خلف "بكم" قديم، فقام صاحب العنز وأعطاه ثلاثة دنانير أو نحوها، فعرفت عندها أن الضجيج كله لم يكن حبًا بالعنز ولا حرصًا على السوق، بل كان استثمارًا في جيب غيره.
    أخذت العنز وعدت أدراجي إلى البيت.
    وعند مدخل السوق استوقفني جماعة وسألوني:
    "للبيع العنز؟"
    فقلت في نفسي: دعني أجرب التجارة هذه المرة.
    قلت:
    "نعم، للبيع."
    فنادوا عليها بـ200 دينار.
    وأنا أقول:
    "لا... قليل."
    وفجأة...
    عاد الكلب نفسه.
    وقف بينهم وكأنه موظف رسمي في السوق.
    وقال:
    "بيع... بيع... 200 كويسة."
    فقلت:
    "بطلت أبيع يا عمي."
    لكنه أصر.
    وأخذ يردد:
    "قلبك باع... قلبك باع."
    ويهز يدي بقوة.
    ثم التفت إلى رجل آخر وقال:
    "ناولني مصاريها... جاي."
    رفضت.
    فزادني عشرة دنانير.
    واستغل إحراجي وضعفي في التجارة وقلة خبرتي بالماعز...
    وليس كما تظن أمي أنني خبير بهن.
    فكان وقع كلامه كالسحر.
    أخذ العنز وناولني 210 دنانير.
    أما هو فاقتات من الشاري ثلاثة دنانير أو أقل.
    وخسارتي كانت 90 دينارًا كاملة بسبب ذلك الكلب.
    والحق يقال:
    العنز لا ذنب لها.
    ولا البائع.
    ولا الشاري.
    فكل واحد منهم كان يؤدي دوره الطبيعي.
    أما المشكلة فكانت في ذلك الذي يعيش بين البائع والمشتري، لا يملك السلعة ولا يريدها، لكنه يريد نصيبه من كل شيء.
    والعجيب أن هذا الكلب لا يسكن سوق الحلال وحده.
    أحيانًا تجده أمامك في متجر.
    وأحيانًا في مجلس.
    وأحيانًا على وسائل التواصل.
    وكلما انتقدت شخصًا وجدته ينبح مدافعًا عنه، وكأنك مسست رزقه لا رأيه.
    أنا لم يقيدني الخوف في كتاباتي.
    ولا ضعفي في الإملاء.
    ولا القفشات التي أضعها بين السطور.
    ولا خوف من فلان أو علان ما دمت لم أتجاوز حدود الأدب والنقد الإيجابي.
    لكن الذي يخيفني حقًا...
    تلك الكلاب الباسطة أذرعها في كل مكان.
    التي تعيش على فتات الأمور.
    وتقتات على ضجيجها.
    وتمنع أصحاب المزارع من دخول مزارعهم.
    وتقف بين الإنسان وما يريد.
    لا لتبني جسرًا...
    بل لتفرض رسوم عبور.
    الحكمة
    ليست كل الأصوات في السوق دليل معرفة، ولا كل من يقف بين البائع والمشتري سمسارًا أمينًا.
    فبعض الناس لا يربحون من التجارة، بل يربحون من إرباك الآخرين، ولا يعيشون على قيمة ما يقدمون، بل على ما ينتزعونه من جهد غيرهم.
    ومن عرف قيمة سلعته، وقيمة رأيه، وقيمة نفسه، فلن يبيعها تحت ضغط الضجيج، ولن يشتري التصفيق بثمن الخسارة.
    فالكلاب التي تنبح حول القافلة لا تملك القافلة، لكنها تحاول أن تقنع الجِمال بأنها لا تستطيع السير إلا بإذنها.
عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X