من يافا، حيث الهواء العليل وميناؤها العتيق، ومن بيارات البرتقال ورائحة الزيتون، بدأت الحكاية. من يازور الكنعانية – بيت الزور كما عُرفت قديماً – وُلد عام 1936 لأسرة فلسطينية بسيطة، قبل أن تقتلع النكبة جذوره عام 1948، فيغادر طفلاً يافعاً لاجئاً بعمر الثانية عشرة، حاملاً وطنه في قلبه لا في يده، شأنه شأن آلاف الفلسطينيين الذين تشظّت بهم الطرق.
العلم أول الطريق
لم تكن اللجوء نهاية الحلم، بل بدايته. نال درجة البكالوريوس في التاريخ من الجامعة الأردنية، ثم ماجستير التربية من دمشق، وتُوّج مساره العلمي بـ دكتوراه في التربية وعلم النفس من جامعة كاليفورنيا عام 1991. آمن باكراً أن التعليم هو السلاح الأصدق في مواجهة الفقر والاقتلاع، فكان وفياً لهذا الإيمان حتى آخر الطريق.
من مدارس الوكالة إلى قيادة التربية
بدأ مسيرته المهنية عام 1956 مُدرّساً في مدارس وكالة الغوث بمخيم الوحدات؛ وهو العام ذاته الذي تأسس فيه نادي الوحدات، وكأن القدر كان يرسم خطين متوازيين سيلتقيان لاحقاً. تدرّج في المسؤوليات حتى أصبح مدير مدرسة ومشرفاً تربوياً عام 1968، ثم مدير التربية والتعليم لمدارس الوكالة في عمان، وصولاً إلى عميد كلية الأندلس، وعضوية المجلس الوطني الاستشاري الأردني والمجلس الوطني الفلسطيني.
الوحدات… حين تتحول الإدارة إلى رسالة
يُعد الدكتور عبد الجابر تيم – أبو عادل – من أبرز العقول الإدارية التي مرّت على نادي الوحدات، لا من حيث الألقاب فحسب، بل من حيث التحول الحقيقي في البنية المالية والإدارية للنادي. ترأس إدارة الوحدات (مراقباً للمركز) خلال الفترة 1979–1986، وفي عهده حقق النادي أول بطولة دوري عام 1980، إيذاناً بعصر جديد.
لم تكن الخزينة عامرة؛ خمسة عشر ديناراً فقط كانت كل ما يملكه النادي وهو يستعد لدوري 1980. لكن بالعزيمة لا بالأرقام صُنعت المعجزة: لجان دعم، تبرعات، تقويم سنوي، يانصيب خيري… حتى وُلدت القدرة على الوفاء بالتزامات الموسم.
المحلات التسعة… خطوة صنعت الاستقلال
الخطوة المفصلية في تاريخ النادي كانت إنشاء تسعة محلات في سوق النادي. بعلاقته المميزة مع وكالة الغوث، أمّن الدعم اللازم، لتتحول هذه المحلات إلى دخل ثابت أبعد الوحدات عن “التسول الرياضي”، ورسّخ مفهوم الاستقلال المالي في زمن كانت الأندية فيه تعيش على الهبات.
دورة الوحدات العربية… المال حين يخدم المجد
في عام 1982، وبعد فوز الوحدات بكأس الأردن ودرع الاتحاد، استقبل سمو الأمير الحسن وفد النادي. حينها اقترح المرحوم سليم حمدان إقامة دورة الوحدات العربية. ترأس الدكتور النادي في أول ثلاث نسخ، وحققت البطولة الأولى 94 ألف دينار، والثانية 56 ألف دينار، لتقفز بالوحدات مالياً إلى طابق، وتبقى بقية الأندية في طابق آخر.
أما تذاكر سفر الوفود في النسخة الأولى (صيف 1982)، فجاءت بتبرع شخصي من القائد ياسر عرفات دعماً لنادٍ خرج من خيمة، وبدأ يحجز مكانه بين الكبار. شارك في الدورة صلاح الدين العراقي، الصفاقسي التونسي، الأنصار اللبناني إلى جانب الوحدات المستضيف.
إنسان قبل أن يكون رئيساً
حين تعاقد النادي مع المدرب اليوغسلافي الشهير فويا، وطلب سيارة للتنقل، قدّم له أبو عادل سيارته الخاصة. كثيراً ما شوهد بين الجماهير في مدرجات الدرجة الثالثة، إلى جوار قائد الجمهور آنذاك مصطفى خزنة؛ فالقرب من الناس كان جزءاً من فلسفته.
علاقات تُطفئ الاحتقان
نسج علاقة احترام متبادل مع رموز الرياضة الأردنية، كان من أبرزها صداقته مع المرحوم مصطفى العدوان؛ بدأت بالمشي معاً على مضمار ستاد عمان قبل قمم القطبين لخفض التوتر الجماهيري، واستمرت حتى لحظات إنسانية خاصة. وفي العيد الماسي للفيصلي، دُعي تكريماً لهذه العلاقة، بدعوة من المرحوم سلطان العدوان.
حين يُقدَّم المال لأن الرسالة تستحق
في موقف يختصر معدنه، استضاف النادي الفنان المصري فؤاد المهندس لتقديم مسرحية هالة حبيبتي دعماً لصندوق النادي. رفض الفنان الصعود للمسرح قبل استلام جزء من الأجر. لم يكن المبلغ متوفراً؛ فذهب وفد النادي إلى بيت أبو عادل، فقدم 800 دينار… كل ما كان يملكه في منزله آنذاك.
التعليم للفقراء… لا امتياز للأغنياء
كعميد لكلية الأندلس، قدّم خصومات تصل إلى 50% لطلبة مخيم الوحدات، مع تسهيلات في الدفع، إيماناً بأن العلم هو الجسر الوحيد للخروج من الفقر، وأن أبناء المخيم أولى بهذا الجسر.
ختام إنساني
في اتصال هاتفي للاطمئنان على صحة المرحوم بهجت شهاب، كان أبو عادل يهمّ بزيارته، لكن حالته الصحية لم تسعفه. عرض أبو أسامة إرسال ابنه لإحضاره، غير أن القدر سبق اللقاء.
الرحمة والمغفرة للحاج بهجت شهاب، وموفور الصحة والعافية للدكتور عبد الجابر تيم.
خلاصة القول:
الدكتور عبد الجابر تيم ليس مجرد اسم في سجل الإدارات، بل حكاية وفاء: وفاء لفلسطين، وللتعليم، ولنادي الوحدات، وللإنسان قبل كل شيء. هكذا تُكتب السيرة… حين يكون العمل أصدق من الضجيج.