في ذاكرة نادي الوحدات الأردني أسماء لا تُستعاد لمجرد الحنين، بل لأنها شكّلت الوعي الأول للنادي، ورسّخت معنى أن يكون الانتماء فعلًا لا شعارًا. ومن بين هذه الأسماء يبرز صالح البنا كأحد أعمدة “العصر الذهبي” الذي سبق السبعينيات، وأحد الرجال الذين لعبوا للوحدات حين كان الحلم أكبر من الإمكانيات، والإرادة أقوى من كل الظروف.
الموقع والدور
لعب صالح البنا في خط الوسط، لكنه لم يكن لاعب وسطٍ تقليديًا؛
امتلك مهارة عالية، ورؤية ثاقبة، وحضورًا ذهنيًا جعله حلقة الوصل بين الدفاع والهجوم.
وكانت أبرز مفارقاته أنه، رغم مركزه، اشتهر بـ الارتقاء العالي والرأسيات القاتلة، فكم من مرة ظهر من الخلف ليهز الشباك في لحظة لا يتوقعها الخصم.
الجيل الذي صنع الهوية
عاصر صالح البنا كوكبة من نجوم تلك المرحلة، في زمن كانت فيه الكرة هواية والوفاء قيمة، لا عقدًا ولا أضواء.
جيلٌ واجه الفرق، لا بالأسماء الكبيرة، بل بالروح القتالية والعمل الجماعي، وهو الجيل الذي أسّس لثقافة الانتصار داخل نادي الوحدات، وجعل من “المارد الأخضر” اسمًا يُحسب له حساب.
من الخيمة إلى الحلم
لم يكن انضمام صالح البنا للوحدات قصة لاعب فقط، بل قصة مكان وهوية.
منذ أن كان الوحدات:
روضةً للأطفال صباحًا
مركزًا لتوزيع المؤن ظهرًا
وناديًا مساءً
كل شيء كان خيمة… المدرسة خيمة، العيادة خيمة، البيوت خيام، وحتى النادي خيمة وجودها عارض، لكن الحلم كان ثابتًا.
أنشأته الوكالة، ورفرف فوقه علم الأونروا الأزرق، وحملت المشعل أولًا آمنة العيسوي، قبل أن تُسلمه إلى المراقب صالح البنا، الذي شارك مع رفاقه في تكوين أول فريق للوحدات.
ضم الفريق الأول أسماءً خالدة: صالح البنا، عبد المجيد كعوش (أول كابتن)، سعيد قنديل، صالح الشملتي، سلامة توفيق، محمود الحوراني، أحمد شقير، كمال البنا، عبدالله سماره (سابو)، وعمر الألماني.
البطولات الأولى
اقتصرت مشاركات الفريق آنذاك على بطولة المراكز الاجتماعية، لكنه فرض اسمه بقوة، محققًا:
9 بطولات على صعيد الضفتين (1958 – 1968)
قبل أن يُصنَّف في الدرجة الثانية عام 1968
بعد التحاقه بمركز الاتحادات عام 1966
وكان يوم 15/8/1957 يومًا استثنائيًا، حين سعد الناس برؤية الوحدات لأول مرة تحت الأضواء.
الاعتزال… والبقاء في القلوب
اعتزل صالح البنا وهو في قمة عطائه، وترك المجال للشباب دون ضجيج، لكنه لم يغب يومًا عن الوحدات.
ظل حاضرًا في المناسبات والاحتفالات، شاهدًا على ما زرعه جيله، وفخورًا بما أثمره من بعده.
واليوم، كلما ذُكر “الجيل الذي صنع المستحيل”، يُذكر اسم صالح البنا بوصفه: رجلًا لعب للشعار فقط
في زمن الهواية الجميل
وزرع الانتماء قبل أن تُزرع الكؤوس.
صالح البنا… ليس مجرد لاعب في تاريخ الوحدات، بل صفحة ناصعة في كتاب الوفاء، وعنوانٌ لمعنى أن تكون الكرة حكاية وطن داخل مخيم، وحلمًا كبر حتى صار ناديًا، ثم صار مجدًا.

تعليق