في زحمة المدن وضجيج الحياة، تبقى بعض الرحلات محفورة في الذاكرة،
ليست بطول الطريق ولا بوجهتها، بل بما تُوقظه فينا من إحساس وحنين.
وهذه واحدة من تلك الرحلات التي بدأت عادية وانتهت بمعنى.
في إحدى زياراتي للأردن قبل سنوات، رغبت في زيارة أحد أرحامنا في منطقة خريبة السوق.
ولأنني أحب خوض التجارب بطريقتي الخاصة، قررت أن تكون الرحلة عبر المواصلات العامة، لا رفاهية ولا تعقيد، بل شيء من البساطة والحنين.
وصلت إلى مجمع باصات عمان خريبة السوق، فإذا بالمكان يعجّ باللافتات المتشابهة والمربكة:
عمان مادبا، عمان مليح، اللبن، السامك، اليادودة، الطنيب، الجيزة، زيزيا، جاوا
تعددت الوجهات واسم خريبة السوق واحد!
وبعد بعض السؤال من الواقفين هناك، اخترت باص جاوا وتوكلت على الله.
وكعادتي، اخترت الكرسي الأول بجانب السائق، فكما يقولون: مثل الفريك، ما بحب شريك!
ولمّا وقع بصري على السائق، أيقنت أنه من الزمن الجميل
جيل بنطلون الشارلستون والشعر الطويل، جيل السبعينات والثمانينات،
أولئك الذين كانوا وزن الريشة، لا يُؤذون أحدًا، ولا يعرفون العنف أو الضجيج،
لم يشهروا السيوف ولا السكاكين، ولم يتعاطوا المهلوسات كما بعض جيل اليوم،
بل كان الحلاق وحده من يعاني منهم بسبب شعرهم الكثيف وتسريحاتهم الغريبة!
وقبل أن تبدأ الرحلة، رأيته يُرتب شاربه بعناية لافتة، وقد بان أثر الصبغة عليه بوضوح.
ثم أخذ يُعدّل المرايا بتأنٍ، وكأنها مرآة قلبه، حتى نادته إحدى الراكبات من الخلف بنبرةٍ فيها معرفة قديمة:
"يا صالح! لا تلعب بالمرقبة!"
اعتدل الرجل فورًا، وكأنّه تلقى أمرًا عسكريًا، ثم أدار مفتاح التشغيل.
انطلقت المركبة على أنغام المسجّل، لتصدح كلمات عبد الكريم عبد القادر من زمنٍ لم يعد يعود:
> جتني تودعني بصمت وسكوت
يا وقت لا تمشي بسرعة وتفوت
أيدي بكت في إيدها نار وجمر
وعيني سكنت في عينها وقالت صبر
وأنا من الفرقة أحيا وأموت...
أخذتني الكلمات إلى عوالم بعيدة، بين الوداع والذكرى، بين الحنين والوجع الجميل.
وما إن بدأت أذوب في المعنى حتى قطع كنترول الباص حبل أفكاري بلمسة على كتفي قائلاً:
أجارك يا حج!
ناولته الأجرة وعدت إلى سرحاني.
لم تكن هناك شوشره ولا أحاديث،
فكل الركّاب كانوا كأنهم يعيشون اللحظة ذاتها لحظة انغماس في زمن فات،
زمن الطرب الأصيل، حين كان الحزن له طعم الفن، لا شكوى ولا ندم.
وبين نداءات الكنترول المتكرّرة:
دوار الشرق الأوسط... كلية حطين... مثلث سحاب... الإذاعة والتلفزيون... مثلث الجمرك... سجن الجويدة... العلكومية...
كنت أشعر وكأنني أعبر خارطة الذكريات لا شوارع عمّان.
إلى أن جاء صوته الأخير:
مسجد جاوا... آخر الموقف!
وحين رفعت رأسي، أدركت أنني تجاوزت موقفي منذ زمن.
لكنني لم أندم، فقد كانت الرحلة نفسها أغلى من الوجهة.
وبعد زيارتي لرحمي وجلوسي بين الوجوه الطيبة،
عدت إلى لحظة الأغنية التي هزّت داخلي سؤالاً ظلّ يراودني:
ما الفرق بين الصمت والسكوت؟
فتصفحت وبحثت، فوجدت أن:
> الصمت هو ترك الكلام عن اختيارٍ وحكمةٍ وأدب،
أما السكوت فقد يكون عن خوفٍ أو ترددٍ أو عجز.
الصمت أبلغ، لأنه قرارٌ نابع من الوعي،
بينما السكوت ضعفٌ في التعبير أو رهبةٌ من الكلام.
حينها فهمت أن جتني تودعني بصمت وسكوت لم تكن مجرد كلمات أغنية،
بل كانت فلسفة حياة،
تجمع بين وجع القلب وحكمة اللسان،
بين ما يُقال وما يُكتم،
وبين رحلة باصٍ عابرةٍ، ودرسٍ لا يُنسى في فن الإصغاء للحياة.
ليست بطول الطريق ولا بوجهتها، بل بما تُوقظه فينا من إحساس وحنين.
وهذه واحدة من تلك الرحلات التي بدأت عادية وانتهت بمعنى.
في إحدى زياراتي للأردن قبل سنوات، رغبت في زيارة أحد أرحامنا في منطقة خريبة السوق.
ولأنني أحب خوض التجارب بطريقتي الخاصة، قررت أن تكون الرحلة عبر المواصلات العامة، لا رفاهية ولا تعقيد، بل شيء من البساطة والحنين.
وصلت إلى مجمع باصات عمان خريبة السوق، فإذا بالمكان يعجّ باللافتات المتشابهة والمربكة:
عمان مادبا، عمان مليح، اللبن، السامك، اليادودة، الطنيب، الجيزة، زيزيا، جاوا
تعددت الوجهات واسم خريبة السوق واحد!
وبعد بعض السؤال من الواقفين هناك، اخترت باص جاوا وتوكلت على الله.
وكعادتي، اخترت الكرسي الأول بجانب السائق، فكما يقولون: مثل الفريك، ما بحب شريك!
ولمّا وقع بصري على السائق، أيقنت أنه من الزمن الجميل
جيل بنطلون الشارلستون والشعر الطويل، جيل السبعينات والثمانينات،
أولئك الذين كانوا وزن الريشة، لا يُؤذون أحدًا، ولا يعرفون العنف أو الضجيج،
لم يشهروا السيوف ولا السكاكين، ولم يتعاطوا المهلوسات كما بعض جيل اليوم،
بل كان الحلاق وحده من يعاني منهم بسبب شعرهم الكثيف وتسريحاتهم الغريبة!
وقبل أن تبدأ الرحلة، رأيته يُرتب شاربه بعناية لافتة، وقد بان أثر الصبغة عليه بوضوح.
ثم أخذ يُعدّل المرايا بتأنٍ، وكأنها مرآة قلبه، حتى نادته إحدى الراكبات من الخلف بنبرةٍ فيها معرفة قديمة:
"يا صالح! لا تلعب بالمرقبة!"
اعتدل الرجل فورًا، وكأنّه تلقى أمرًا عسكريًا، ثم أدار مفتاح التشغيل.
انطلقت المركبة على أنغام المسجّل، لتصدح كلمات عبد الكريم عبد القادر من زمنٍ لم يعد يعود:
> جتني تودعني بصمت وسكوت
يا وقت لا تمشي بسرعة وتفوت
أيدي بكت في إيدها نار وجمر
وعيني سكنت في عينها وقالت صبر
وأنا من الفرقة أحيا وأموت...
أخذتني الكلمات إلى عوالم بعيدة، بين الوداع والذكرى، بين الحنين والوجع الجميل.
وما إن بدأت أذوب في المعنى حتى قطع كنترول الباص حبل أفكاري بلمسة على كتفي قائلاً:
أجارك يا حج!
ناولته الأجرة وعدت إلى سرحاني.
لم تكن هناك شوشره ولا أحاديث،
فكل الركّاب كانوا كأنهم يعيشون اللحظة ذاتها لحظة انغماس في زمن فات،
زمن الطرب الأصيل، حين كان الحزن له طعم الفن، لا شكوى ولا ندم.
وبين نداءات الكنترول المتكرّرة:
دوار الشرق الأوسط... كلية حطين... مثلث سحاب... الإذاعة والتلفزيون... مثلث الجمرك... سجن الجويدة... العلكومية...
كنت أشعر وكأنني أعبر خارطة الذكريات لا شوارع عمّان.
إلى أن جاء صوته الأخير:
مسجد جاوا... آخر الموقف!
وحين رفعت رأسي، أدركت أنني تجاوزت موقفي منذ زمن.
لكنني لم أندم، فقد كانت الرحلة نفسها أغلى من الوجهة.
وبعد زيارتي لرحمي وجلوسي بين الوجوه الطيبة،
عدت إلى لحظة الأغنية التي هزّت داخلي سؤالاً ظلّ يراودني:
ما الفرق بين الصمت والسكوت؟
فتصفحت وبحثت، فوجدت أن:
> الصمت هو ترك الكلام عن اختيارٍ وحكمةٍ وأدب،
أما السكوت فقد يكون عن خوفٍ أو ترددٍ أو عجز.
الصمت أبلغ، لأنه قرارٌ نابع من الوعي،
بينما السكوت ضعفٌ في التعبير أو رهبةٌ من الكلام.
حينها فهمت أن جتني تودعني بصمت وسكوت لم تكن مجرد كلمات أغنية،
بل كانت فلسفة حياة،
تجمع بين وجع القلب وحكمة اللسان،
بين ما يُقال وما يُكتم،
وبين رحلة باصٍ عابرةٍ، ودرسٍ لا يُنسى في فن الإصغاء للحياة.