عمّان.. مدينة تختزل القلب والذاكرة

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • عمّان.. مدينة تختزل القلب والذاكرة

    عمّان ليست مجرد مدينة، بل هي وجع جميل، وذكرى عابقة برائحة الخبز الطازج، وصوت الباعة في الأسواق، ودفء الأرصفة التي احتضنت خطوات العابرين.
    هي الجمر في القلب، والجاه في الروح، هي الأنس الذي يرافقك حتى لو غادرت الأزقة والشوارع القديمة، لتبقى كأنها جزء من تكوينك.

    من الجامع الحسيني، حيث تلتقي الأرواح في صلوات متتابعة، يبدأ النبض الحقيقي للمدينة. ينفتح الطريق نحو الشارع الحيوي الذي لا يعرف السكون، حيث يتعانق صخب الحياة مع أصوات الباعة، وضحكات المارة، ورائحة الأطعمة التي تبقى عالقة في الذاكرة.

    لا يذكر وسط البلد إلا وذُكر معه مطعم هاشم، بلقمته "الهنية"، ومطعم فؤاد الذي منحنا ساندويشات فلافل بطحينية لا تُنسى؛ خمسة منها لا تكفي جوع شاب مراهق لكنه يظل مبتسمًا راضيًا. وعلى أول دخلة المطعم، كانت الفاكهة النادرة تُعرض بأسعار الذهب، يشتريها الأزواج الجدد لإرضاء شهوات الزوجات المتوحمات حبًا لأول مولود قادم.

    ثم هناك "أبو عيسى" وساندويشاته التي تؤكل على الواقف، بخبز صغير لكنه محشو بكرم أهل البلد: كبدة، طحال، فشة.. بنكهة لم تعد موجودة اليوم. الساندويشة بسبعة قروش ونصف، ثم يكتمل المشهد بحلوى كنافة شهرزاد الدافئة.

    ولا يمكن أن ننسى أبو أحمد، رحمه الله، بائع الفستق الشهير، رمز وسط البلد في عمّان. كان يقف أمام بسطته بشارع الملك فيصل، بجانب سوق الذهب، يحمص الفستق أمام كانون التسخين طوال النهار، يرتدي نظارته الأثرية ويمتزج صموده وصبره مع ضحكات الأطفال وثرثرة المارة. حفنة من فستقه الساخن كانت تمنحك دفء المدينة وروحها الأصيلة، وكأنك تحمل جزءًا من قلب عمان بين يديك.

    وكذلك المارديني بياع الهريسة بطلوع الخيام، الذي صارت حلوى الهريسة عنده أيقونة لا تُنسى، بطعم السمن البلقاوي الذي يخلد في الذهن كل من مر على طلعة السينما قبل البريد.

    ولوسط البلد طقوس خاصة: المرور على مطعم الشمعة للغداء، أو مطعم الصباح في دخلة الشابسوغ، قبل أن تأخذك قدماك إلى مقهى الجامعة العربية، أو فنيسيا، أو الرشيد قبالة البنك العربي. هناك حيث تختلط رائحة القهوة بدخان النرجيلة وأحاديث المثقفين والتجار والطلاب. ولا يكتمل المشهد إلا بزيارة حلويات حبيبة أو نزهة قصيرة في سوق السكر العابق بروائح البهارات والأقمشة والوجوه الطيبة.

    اليوم تغيّر الوسط.. المشاوي والعرايس والكفتة بالطحينية أو البندورة صارت عنوان المكان. لكن رغم ذلك، تبقى الذكريات متربعة في القلب؛ لأن الحياة ببساطتها وقتها كانت أعمق، والسعادة كانت أقرب، والرضا كان أكثر حضورًا.

    الحياة مشقات وماضيها ذكريات، وبينهما يبقى سحر عمان: مدينة تزداد جمالًا كلما أغمضنا عيوننا وعدنا بها إلى الماضي.
عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X