"الزمن الجميل حيّ فينا"؟

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • "الزمن الجميل حيّ فينا"؟

    يا أيّها العمرُ السريعُ خَذلتني
    ووضعتَ أحمَالًا على أحمالي
    خُذني إلى عُمرِ الصغار لأنّني
    لم أنتهِ من ضحكةِ الأطفالِ...

    هكذا يمضي العمر، وتذوب الأيام كما يذوب الملح في الماء، فلا يبقى لنا سوى الذكرى، تحملنا إلى هناك... إلى البيت والحارة ورائحة الياسمين الدمشقي، إلى البيوت التي كانت مملوءة بالمحبّة والألفة، والضحكات التي تتردد أصداؤها في الزوايا، والذكريات التي تعانق أرواحنا حتى اليوم.

    في ذلك البيت الصغير وُلدنا ولعبنا، وفي أرجائه رسمنا أحلامنا، فكل زاوية منه تختزن عبق الماضي. على الصوفة الملوّنة بألوان الربيع والمخدات الأسطوانية كانت ترتسم قسمات الفرح، وصوت جدتي وأمي يملأ المكان بالدفء. وعلى "طفطاف" البرندة المطلة على الشارع صفوف من التنكات المزروعة، تتلون كل ربيع وتبث حياة جديدة في البيت.

    كانت نساء الحارة يجتمعن صباحًا على فنجان قهوة وسواليف لا تنتهي. كان الراديو الكبير في زاوية الصالون مزدانًا بشرشف أبيض ومزهرية برتقالية تحوي وردًا بلديًا زهري اللون، يبث أنغام الزمن الجميل. وعلى يمينه ماكينة الخياطة اليدوية "سنجر"، بغطائها الخشبي وصوتها الذي يمحو رتابة الصمت، فيما وجه أمي يطل في مخيلتي وهي تُلظم الإبرة لتخيط لنا ثياب الطفولة.

    أما المطبخ، فكان عالمًا صغيرًا يحوي المونة: رب البندورة، مرطبانات التتطالي، المخللات، الزيتون والباذنجان، البصل والثوم المعلّق على الجدران، اللبنة المدحرجة، الجبنة البيضاء، السمن البلدي، الكشك والبرغل والجميد... كل زاوية منه تفوح بعبق الحنين.

    ولم يكن بيتنا يقتصر على المونة فقط، بل كان يحوي كل أسباب الخير والبركة. كانت غنمنا تملأ الدار بركتها، نأكل من زبدتها ولبنها، ونصنع من حليبها جميدًا وسمنًا بلديًا يملأ البيت عبقًا ونكهة لا تُنسى. وكنا نستمتع باللعب مع "الزلطان" و"العابورة"، ألعاب الطفولة التي لا يعرفها إلا من عاش تلك البساطة. وكان لدينا الدجاج البلدي، يمنحنا بيضًا طازجًا كل صباح، يزيد طعامنا غنى ويزيدنا اكتفاءً ذاتيًا يغنينا عن الأسواق.

    ومن سطح البيت، كان لي موعد مع السماء. هناك افترشت فرشة الصوف تحت صمت الليل، أحدّق بالنجوم، أعدّها واحدًا واحدًا، وأتعلّم أسماء الكواكب من المشتري إلى زحل. كنت أناجي القمر، وأحتضن راديو الترانزستور الصغير، أستمع إلى سيدة الشرق وهي تشدو "قابلني والأشواق بعينه..." فترتجف الروح حنينًا.

    ذلك البيت تغيّر... غطاه الغبار، سقطت داليته التي كانت تصل الطابق الثاني، ذبلت ياسمينته، وغابت روح الحارة. حتى الملوخية والبامية لم تعد كما كانت، صارت تُباع بأكياس بلاستيكية فاقدة للنكهة والروح، بعدما كانت النسوة يتجمعن على العتبات يلتقطنها وهن يستمعن لإذاعة عمّان، إلى صوت كوثر النشاشيبي ورسائل الشوق و"بما يطلبه المستمعون".

    رحل الجميع إلى دار الحق، لكن الذكرى لم ترحل. بقيت لتشدنا إلى زمن كان أجمل وأطهر وأكثر صدقًا.

    أيام لا مثيل لها... نلجأ إليها كلما هزّنا الحنين، فتهدأ قلوبنا وتستكين، ويأخذنا الأمل ليتنا بقينا هناك... وبقي هناك هنا... ولم يغادرنا الأهل والأحبة والحارات الجميلة.

    قد تبدو تلك الأيام بعيدة، لكن صداها ما زال يسكننا. من بين ركام الحداثة وضجيج المدن، تظل الذكرى قنديلًا يضيء عتمة حاضرنا. نتعلم منها البساطة، الصبر، والمحبة الصافية. نستحضرها لنصنع بيوتنا اليوم على صورة تلك البيوت: عامرة بالود، مزدانة بالضحكات، مفعمة بالرحمة. فالماضي لم يرحل، بل يعيش فينا، يمدّنا بقوة الحنين، ويذكّرنا أن أجمل ما في العمر ليس ما مضى فحسب، بل ما نصنعه الآن من دفء وألفة وصدق في حياتنا.

  • #2
    [FONT=""][COLOR=""]الحبيب ابو اوس المحترم
    يقول "العم" ابو العتاهية:
    بكيت على الشباب بدمع عيني فلم يغني البكاء ولا النحيب
    فيا اسفا اسفت على شباب نعاه الشيب والرأس الخضيب
    فيا ليت الشباب يعود يوما فاخبره بما صنع المشيب.
    اخوك ابو زيد[/COLOR][/FONT]

    تعليق


    • #3
      المشاركة الأصلية بواسطة غير مسجل مشاهدة المشاركة
      [FONT=""][COLOR=""]الحبيب ابو اوس المحترم
      يقول "العم" ابو العتاهية:
      بكيت على الشباب بدمع عيني فلم يغني البكاء ولا النحيب
      فيا اسفا اسفت على شباب نعاه الشيب والرأس الخضيب
      فيا ليت الشباب يعود يوما فاخبره بما صنع المشيب.
      اخوك ابو زيد[/COLOR][/FONT]
      الحبيب الغالي أبا زيد المحترم

      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

      أحسنتَ الاختيار وأجدتَ الانتقاء، فقد جئت لنا ببيتٍ خالدٍ لأبي العتاهية، يصف فيه رحلة العمر وما يتركه الزمان من أثر في الروح قبل الجسد.

      الشبابُ وإن ولّى يبقى في الذاكرة بهجته، وفي القلب بصمته، وفي العمل الصالح ثمرته. والشيخوخة وإن أثقلت الجسد فإنها تضيء البصيرة وتزيد الإنسان خبرة ووقارًا. فالعاقل من جعل من ماضيه زادًا، ومن حاضره عملاً، ومن مستقبله أملًا بلقاء الله تعالى برضا وطمأنينة.

      قال الشاعر:
      إذا المرءُ أهدى نفسه زادَ تَقاهُ ** فما الضيرُ إن وَلَّتْ ليالي شبابهِ؟

      فما أجمل أن نستقبل أيامنا شبابًا كانت أو شيبًا برضا، ونسعى أن تكون أعمالنا شاهدة لنا لا علينا.

      دمتَ لنا أخًا عزيزًا وناصحًا أمينًا، يفتح لنا نوافذ التفكر بكلماته الراقية.

      أخوك المحب: أبو أوس

      تعليق


      • #4
        الرياض/المملكه العربيه السعوديه

        [FONT=""][COLOR=""]الاخ الغالي ابا اوس احييك انت والاخ ابوزيد واًرجو لكم الصحه والعافيه
        كما احيي الاخوه المشاركين جميعا
        حقا انها أيامًا جميله وذكريات مرت وربما لن تعود
        لقد ذكرت في سياق حديثك واتيت بمسطحات قد
        لا يعرفها البعض ومنها الزلطان والعابوره واضيف
        عليها الثنيّه والشعيرية وهذه المسطلحات هي بدويه
        بحته فهلاّ فسرت لنا تلك الطلاسم ولغة البلابل تلك؟
        علما بانك ذكرت البرنده والزريعة هذا يعني انكم
        عشتم في تلك الاماكن وماذا نقول نحن الذين
        كنّا نسكن في الفيافي والقفار،،،،،،،،،،،،،،
        ختاما نقول لقد ابدعت واحسنت النشر
        ودمت بخير وعافيه،،،،،،،،،
        يوسف ابورياش
        (ابوعبدالرحمن)[/COLOR][/FONT]

        تعليق


        • #5
          المشاركة الأصلية بواسطة غير مسجل مشاهدة المشاركة
          [FONT=""][COLOR=""]الاخ الغالي ابا اوس احييك انت والاخ ابوزيد واًرجو لكم الصحه والعافيه
          كما احيي الاخوه المشاركين جميعا
          حقا انها أيامًا جميله وذكريات مرت وربما لن تعود
          لقد ذكرت في سياق حديثك واتيت بمسطحات قد
          لا يعرفها البعض ومنها الزلطان والعابوره واضيف
          عليها الثنيّه والشعيرية وهذه المسطلحات هي بدويه
          بحته فهلاّ فسرت لنا تلك الطلاسم ولغة البلابل تلك؟
          علما بانك ذكرت البرنده والزريعة هذا يعني انكم
          عشتم في تلك الاماكن وماذا نقول نحن الذين
          كنّا نسكن في الفيافي والقفار،،،،،،،،،،،،،،
          ختاما نقول لقد ابدعت واحسنت النشر
          ودمت بخير وعافيه،،،،،،،،،
          يوسف ابورياش
          (ابوعبدالرحمن)[/COLOR][/FONT]

          الغالي أبو عبد الرحمن حفظك الله ورعاك،

          أحييك بتحية مفعمة بالمودة والتقدير، وأشكرك على ردك العطر الذي أضفى على المجلس بهجةً ودفئًا. لقد أحسنت في استحضار الذكريات ونسجها بلغة أصيلة تجمع بين سحر البداوة وعراقة الماضي، فكنت كمن أزاح الغبار عن كنوزٍ مدفونة في الصحراء.

          أما عن تلك "الطلاسم" التي سألت عنها، فهي ليست إلا شذرات من لهجاتٍ بدوية صافية حملت في طياتها عفوية الحياة وبساطتها؛ فـ"الزلطان" و"العابورة" و"الثنيّة" و"الشعيرية" ليست مجرد مفردات، بل هي علامات على زمنٍ كان الاكتفاء الذاتي فيه زادنا، وكانت البسمة تُصاغ من أبسط الألعاب وأحلى المواقف.

          وما أروع إشارتك إلى "البرندة" و"الزريعة"؛ فهي دليل على أنّنا نتقاطع في الكثير من التجارب، وإن اختلفت الأمكنة بين من عاش في مضارب البدو أو في الفيافي والقفار. كلّنا في النهاية نتقاسم ذكرياتٍ صنعتنا على الفطرة، وغرست فينا الوفاء والصلابة والرضا بالقليل.

          ختامًا، لا يسعني إلا أن أشاركك القول بأنك أجدت وأحسنت وأثريت، ونسأل الله أن يديم عليك وعلى جميع الإخوة الصحة والعافية، وأن يجعل أيامنا عامرة بالودّ كما كانت بالأمس.

          محبكم وأخوكم
          أبو أوس

          تعليق


          • #6
            جميل جداً

            تعليق

            عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
            يعمل...
            X