بيتك يا ستي الختيارة يشبه بيت ستي القديمة؛ بيتٌ من طين، سقفه من يوك، وأرضه مفروشة بذكريات لا يبهت لونها مهما طال الزمان. كلما مرّ صوت فيروز العذب، يوقظ فينا الحنين ويعيدنا إلى تلك الزوايا التي كانت تحفظ أسرارنا الصغيرة، إلى رائحة القهوة المحمصة على الحطب، وإلى صوت الراديو الكبير يرنّدح لناظم الغزالي وهو يقول: "يا أم العيون السود ما جوزن أنا خدك القيمر وأنا تريق منا."
في تلك البيوت العتيقة كانت الحياة بسيطة، لكنها مليئة بالحب والبركة. على جدرانها تتدلى مواسم نيسان، وتزهر حبات التين في آب، ويعبق دفء الشتاء برائحة البلوط المشوي والقلية المحمصة. هناك تعلّمنا أولى حكايات البطولة من جداتنا؛ عن الزير سالم وعنترة وسيف ذي يزن. وهناك سمعنا أولى الأهازيج: "حدرج بدرج ناقة بتعرج."
لكل زاوية من تلك البيوت قصة، ولكل نافذة أنشودة، ولكل باب دمعة فرح أو حزن. وما أصعب وداع الأمكنة، فهي تمرض بغياب أصحابها وتجف أحواض الزهور فيها، وتغبر شجرة التين، ويأكل الصدأ شبابيكها. حتى البيوت، كالبشر، تشيخ وتبكي، لكن لا يسمع بكاءها إلا من شرب يوماً من دلو مائها أو نام على سطوحها في ليلة صيفية حارة.
فيروز غنتها بإحساسها الفريد:
"بواب العتيقة عم تلوّحلي وصوت النهورا ينده الغياب"
ثم تتابع لتقول:
"إفتح الباب وبوّس الحيطان وإركع تحت أحلى سما وصلي."
وكأن الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد يكتب وصية البيوت العتيقة حين قال:
"لا تسألِ الدارَ عن من كان يسكُنها
الباب يُخبر أن القوم قد رحلوا
ما أبلغ الصمت لمّا جئتُ أسأله
صمتٌ يعاتبُ من خانوه وارتحلوا."
لكن، ويا للحسرة، اليوم تغيّرت الحكاية؛ لم يعد الزمان كما كان، ولا بقيت الأرواح على صفائها. حتى الوحدات ذلك الرمز الذي جمع القلوب في الملعب والحارة صار ذكرى من زمن بعيد. وصدق عميد الوحدات، الختيار علاء ناصر، حين قال:
"القلاع تُهزم من الداخل."
فلنحفظ ما تبقى من ذاكرتنا، ولنجعل بيوتنا القديمة حكاية لا تنطفئ. لا تبيعوها حين ترحلون، بل رمموها، قبّلوا جدرانها، واذكروا أن لها أعيناً وقلوباً تحفظ أسراركم وتبكي غيابكم.
فالزمن الجميل قد لا يعود لكن الحكاية يمكن أن تبقى حيّة، إذا حفظناها في قلوبنا قبل أن نحفظها في الحجارة.
في تلك البيوت العتيقة كانت الحياة بسيطة، لكنها مليئة بالحب والبركة. على جدرانها تتدلى مواسم نيسان، وتزهر حبات التين في آب، ويعبق دفء الشتاء برائحة البلوط المشوي والقلية المحمصة. هناك تعلّمنا أولى حكايات البطولة من جداتنا؛ عن الزير سالم وعنترة وسيف ذي يزن. وهناك سمعنا أولى الأهازيج: "حدرج بدرج ناقة بتعرج."
لكل زاوية من تلك البيوت قصة، ولكل نافذة أنشودة، ولكل باب دمعة فرح أو حزن. وما أصعب وداع الأمكنة، فهي تمرض بغياب أصحابها وتجف أحواض الزهور فيها، وتغبر شجرة التين، ويأكل الصدأ شبابيكها. حتى البيوت، كالبشر، تشيخ وتبكي، لكن لا يسمع بكاءها إلا من شرب يوماً من دلو مائها أو نام على سطوحها في ليلة صيفية حارة.
فيروز غنتها بإحساسها الفريد:
"بواب العتيقة عم تلوّحلي وصوت النهورا ينده الغياب"
ثم تتابع لتقول:
"إفتح الباب وبوّس الحيطان وإركع تحت أحلى سما وصلي."
وكأن الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد يكتب وصية البيوت العتيقة حين قال:
"لا تسألِ الدارَ عن من كان يسكُنها
الباب يُخبر أن القوم قد رحلوا
ما أبلغ الصمت لمّا جئتُ أسأله
صمتٌ يعاتبُ من خانوه وارتحلوا."
لكن، ويا للحسرة، اليوم تغيّرت الحكاية؛ لم يعد الزمان كما كان، ولا بقيت الأرواح على صفائها. حتى الوحدات ذلك الرمز الذي جمع القلوب في الملعب والحارة صار ذكرى من زمن بعيد. وصدق عميد الوحدات، الختيار علاء ناصر، حين قال:
"القلاع تُهزم من الداخل."
فلنحفظ ما تبقى من ذاكرتنا، ولنجعل بيوتنا القديمة حكاية لا تنطفئ. لا تبيعوها حين ترحلون، بل رمموها، قبّلوا جدرانها، واذكروا أن لها أعيناً وقلوباً تحفظ أسراركم وتبكي غيابكم.
فالزمن الجميل قد لا يعود لكن الحكاية يمكن أن تبقى حيّة، إذا حفظناها في قلوبنا قبل أن نحفظها في الحجارة.
تعليق