قصيدة ابن الرومي في رثاء ابنه الأوسط محمد أرى أنها من أروع ما قيل في رثاء الأبناء

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • قصيدة ابن الرومي في رثاء ابنه الأوسط محمد أرى أنها من أروع ما قيل في رثاء الأبناء

    بكاؤكما يَشْفي وإنْ كانَ لا يُجدي
    فجودا فَقَدْ أَوْدى نظيرُكُما عِندي
    بُنَيَّ الذي أَهدَتْهُ كفايَ للثرى
    فيا عِزَّةَ المُهْدَى و يا حَسْرةَ المُهدِي
    أَلا قاتل الله المنايا وَ رَمْيَها
    من الناسِ حباتِ القلوبِ على عَمْدِ
    تَوَخَّى حِمامُ الموتِ أَوْسَطَ صبْيَتي
    فلِلَّه كيفَ اختارَ واسطةَ العِقْدِ
    على حينَ شِمْتُ الخيرَ من لَمحاتِهِ
    و آنَسْتُ من أَفْعالِهِ آيةَ الرُّشْدِ
    طَواهُ الرّدَى عَنِّي فأَضحى مَزارُهُ
    بعيداً على قربٍ قريباً على بُعْدِ
    لقدْ أَنْجَزَتْ فيه المنايا وعيدَها
    وَ أَخْلَفَتِ الآمالُ ما كان مِنْ وَعْدِ
    لقدْ قَلَّ بيْنَ المَهْدِ و اللَّحْدِ لَبْثُهُ
    فلم يَنْس عَهْدَ المهْدِ إذْ ضُمَّ في اللَّحْدِ
    تَنَغَّضَ قبلَ الرِّيِّ ماءُ حياتِهِ
    و فُجِّعَ منه بِالعذوبة و البَرْد
    أَلَحَّ عَلَيْهِ النَّزْف حتى أَحَالَهُ
    إلى صفرةِ الجاديِّ عن حُمْرةِ الوَرْدِ
    و ظَلَّ على الأَيْدي تَساقَطُ نَفْسُه
    و يَذْوي كما يذْوي القضيبُ من الرَّنْدِ
    فيا لكِ من نَفْسٍ تَسَاقَطُ أَنْفُساً
    تَساقُطَ درٍّ من نظامٍ بلا عَقْدِ
    عَجِبْتُ لقلبي ، كيف لم يَنْفطِرْ له
    و لو أَنَّه أَقْسى من الحجر الصَّلْدِ
    بوُدِّيَ أني كنتُ قُدِّمْتُ قَبْلَهُ
    و أَنّ المنايا دونَهُ صَمَدَتْ صَمْدي
    و لكنَّ ربّي شاءَ غيرَ مشيئَتي
    و للرَّبِّ إمْضَاءُ المشيئةِ لا العَبْدِ
    و ما سَرَّني أَنْ بِعْتُهُ بثَوابِهِ
    و لوْ أَنَّهُ التّخليدُ في جَنَّةِ الخُلْدِ
    و ما بِعْتُهُ طوعاً و لكنْ غُصِبْتُهُ
    و ليسَ على ظلم الحوادث مِنْ مُعْدِي
    و إني و إنْ مُتِّعْتُ بابنيَّ بَعْدَه
    لذاكِرُهُ ما حَنَّتِ النّيبُ في نَجْدِ
    و أَوْلادُنا مِثْل الجوارحِ أَيُّها
    فقدناهُ كانَ الفاجِعَ البيِّنَ الفَقْدِ
    لكُلٍّ مكانٌ لا يَسُدُّ اختلالَهَ
    مكانُ أخيه من جَزوعٍ ولا جَلْدِ
    هلِ العَيْنُ بعْدَ السَّمْعِ تكفي مكانَهُ
    أم السَّمْعُ بعد العيْن يَهْوي كما تهدي
    لعمري لقد حالتْ بيَ الحالُ بعْدَهُ
    فيا ليتَ شِعري كَيْفَ حالَتْ به بَعْدي ؟
    ثكلْتُ سروري كُلَّهُ إذْ ثكلْتُهُ
    و أصبَحْتُ في لذاتِ عيشي أخا زُهْدِ
    أَرَيْحانَةَ العيْنَينِ و الأَنْفِ و الحَشَا
    ألا ليتَ شعري هَلْ تغيَّرْتَ عَنْ عَهْدي
    سأَسْقيكَ ماءَ العين ما أَسْعَدَتْ به
    و إن كانت السُّقْيا من الدمع لا تُجْدي
    أَعَيْنَيَّ جُودا لي فقد جُدْتُ للثّرى
    بأَنْفَسَ مما تُسْأَلانِ منَ الرِّفْدِ
    أعينيّ إنْ لا تُسْعداني أَلُمْكُما
    و إن تُسعِداني اليوم تستوجبا حَمْدي
    عَذَرْتكما لو تُشْغَلانِ عن البكا
    بنومٍ ، و ما نَوْمُ الشجِيِّ أخي الجَهْد ؟
    أَقُرَّةَ عيْني قد أَطَلْتَ بكاءها
    و غادَرْتَها أَقْذَى من الأَعْيُنِ الرَّمْدِ
    أَقُرَّة عيني ، لو فَدَى الحيُّ ميِّتاً
    فَدَيتُكَ بالحَوْباءِ أَوَّلَ من يَفْدي
    كأنّي ما استَمْتَعْتُ منك بنظرةٍ
    و لا قُبْلةٍ أَحْلى مذاقاً منَ الشَّهْدِ
    كأَنّي ما استمتعْتُ منكَ بضَّمةٍ
    و لا شَمَّةٍ في مَلْعبٍ لك أو مَهْدِ
    أُلامُ لما أبدي عليْكَ من الأَسى
    و إنَّي لأُخْفِي مِنْهُ أضعافَ ما أُبْدي
    مُحَمَّدُ ما شيءٌ تَوُهِّمُ سَلْوةً
    لقلبي إلا زاد قلبي من الوَجْدِ
    أَرَى أَخَوَيْكَ الباقيينِ فإنَّما
    يكونانِ للأَحزانِ أَوْرى منَ الزَّنْدِ
    إذا لِعبا في مَلْعَبٍ لَكَ لذَّعا
    فؤادي بمثلِ النّارِ عَنْ غيرِ ما قصْدِ
    فما فيهما لي سَلْوَةٌ بل حَزازةٌ
    يهيجانها دوني و أَشْقى بها وحدي
    و أَنْتَ و إنْ أُفْرِدْتَ في دارِ وحْشَةٍ
    و إنّي بدارِ الأُنْسِ في وَحْشَةِ الفَردِ
    أَوَدُّ إذا ما الموتُ أَوْفَدَ مَعْشراً
    إلى عَسْكَرِ الأَمواتِ أَنّي من الوَفْدِ
    وَ مَنْ كان يسْتَهدي حبيباً هَديَّةً
    فَطَيْفَ خَيالٍ منْكَ في النوم أَسْتَهْدي
    عليْكَ سلامُ اللِه منّي تحيَّةً
    و مِنْ كلِّ غَيْثٍ صادقُ البرقِ و الرَّعْدِ

  • #2
    شرح للقصيده

    يقول الشاعر إنّ دموعكما يا عينيّ يشفيني من آلامي، وإن كان قليل الفائدة، فأكثري يا عيوني من الدّموع، فقد فقدْتُ من هو بمكانتكم بالنسبة إلي، فلقد فقدتُ ولدي الذي قدّمته بيدي إلى التّراب، فيا لحظِّ من أهديته ولدي ويا لسوء حظّي وحسرتي على فقدي له. أتمنى من الله أن يعاقب الموت على إصابته لمن يتعلّق بهم القلب متعمّدًا قاصدًا ذلك، فلقد تمكّن الموت من النيل من طفلي الأوسط، فإنّني أشكوه لله كيف اختار الجوهرة المتوسّطة في عقد أبنائي، في حين أنني قد آنستُ من ولدي، ومن ملامحه الخير، واستنتجت من أعماله أنّه سيكون ولدًا صالحًا.



    لقد أبعدته فاجعة الموت عنّي، فأصبحت زيارته بالنسبة إلى بعيدة مع أنّ قبره قريب مني، فلقد نال منه الموت، وأتت ساعته ونفّذت ما وعدوته به، وضاع أملي في شفائه وعودته إليّ. إنّ المدّة التي عاشها ما بين ولادته وموته كانت مدةً قصيرةً جدًّا؛ فعندما وضع في قبره كان ما يزال يتذكّر تفاصيل ولادته، لقد تلوّث ماء حياته، فأصابه بالمرض الذي أودى به إلى الهلاك؛ فقد استمرّ به النزيف حتّى تحوّل من حمرة الحياة والعافية إلى اصفرار المرض والموت.



    قد استغربت من قلبي كيف لم يهلك بعد فقده حتى وإن كنت أملك قلبًا صلبًا كالصخور، لقد تمنّيت لو أني مُتُّ قبله، ولو أنّ الموت استطاع أن يصبر على فراقه كصبري على فراقه. لكنّ الله -عزّ وجل- كان له حكمةٌ أخرى وقدرٌ آخر، فالحياة وأمورها هي بيد الله، وليس بيد الناس، ولم يسعدني ما نلته من ثواب الخلود في الجنّة بسبب فقدي لطفلي، وإنّي لم أبذل ابني، وأسلّمه للموت وأنا راضٍ عن ذلك، لكنّ مصائب الزمان إذا ما جاءت فلا يستطيع أحد أن يتجاوزها.




    وإنّني ولو فرحت بوجود ولديّ بعده، فإنّ ذكره باقٍ في قلبي؛ فإنّ أبناءنا مثل جوارحنا، تكون مصيبتنا التي لا تجبر هي فقدهم لأي سبب من الأسباب، ولقد دفنت فرحي عندما دفنتُ ولدي، وصرتُ أعيش في هذه الدّنيا زاهدًا مبتعدًا عن لذّاتها. ابني الحبيب لو كان الفداء يعيد الحياة للميت لسارعتُ في فدائك بأغلى ما أملك وكنت أوّل من يفعل ذلك، ولدي، إنّ الناس يذمّون ما يظهر عليّ من الحزن والألم على فراقك، فيا ليتهم يعلمون أنّني أبدي شيئًا قليلًا؛ مما أعانيه بسبب هذا الفقد

    تعليق

    عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
    يعمل...
    X