حين يمشي الزمن على الرؤوس البيضاء

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حين يمشي الزمن على الرؤوس البيضاء

    أصحاب الرؤوس البيضاء
    ليسوا مجرّد كهولٍ أثقلتهم الأعوام، بل مكتبات تمشي على قدمين، كل تجعيدة على وجوههم سطرٌ من رواية، وكل نظرة في عيونهم نافذةٌ مفتوحة على زمنٍ كان أكثر دفئًا، وأشدّ حياة.

    يحدّثونك عن الحياة كمن يغرف من بئرٍ مكسور، يذوق من مائها الملح أكثر من العذب، ومع ذلك يبتسمون. يضحكون لا لأن الحياة تضحك لهم، بل لأنهم تعلّموا أن الضحك أحيانًا هو آخر قارب نجاة في بحرٍ متلاطم.

    لم يعودوا يعدّون خطواتهم نحو الغد، فالغد بالنسبة لهم صفحة أقل إشراقًا. هم يعدّون الذكريات يعدّون لحظات الشباب التي كانت الأزقّة فيها تهاب وقع أقدامهم، والأماني تركض نحوهم بلا تردّد، والحبّ يتبعهم كظلٍّ وفيّ لا يخون.

    انظر إلى أعينهم جيدًا ستجد فيها أبوابًا موصدة إلا على ماضٍ يضحك أكثر من هذا الحاضر الكسير. ماضٍ كانت القلوب فيه أكثر رحابة، والأحلام أكثر جرأة، والخطى أكثر ثباتًا.

    يا ابن هذا الوقت السريع المرهَق
    إذا صادفت صاحب رأسٍ أبيض، فاخفض صوتك قليلاً، فهو ليس مجرد عابرٍ أمامك؛ إنه يسير بين مقابر أعوامه، يسمع في صمتٍ صدى ضحكاته القديمة، ويقرأ أسماء أحبابٍ رحلوا، وأمنياتٍ دفنها الزمان دون عزاء.

    عاملهم برفق فكل شعرة بيضاء على رؤوسهم شهادةُ بقاء، وكل تجعيدةٍ وسامُ صبرٍ، وكل صمتٍ لغةُ حنينٍ لا يجيدها إلا من عرف كيف يُربّي قلبه على الرضا.

  • #2
    [FONT=""][COLOR=""]هذا في عالم الناس الطبيعيين، تُحترم الإنجازات وتُنسب لأصحابها، وتُدار الأمور بعقل وضمير.


    أما عندنا في نادي الوحدات، فكل نجاح يُختطف، ويُسجَّل باسم واحدٍ يتباهى ويتبجح، زاعمًا أن مقاليد الرئاسة بيده، وأنه الآمر الناهي فيمن يصعد ومن يسقط.
    والأدهى من ذلك، أن من نُعوّل عليهم من أهل العلم والهيبة، من الدكاترة( سواء فخري او مراسله او حتي مزوره) والمهندسين، او اصحاب الفروسيه وحتى أصحاب النعال المقطوعة قد اختاروا الصمت، ووقفوا كالتوتو، صامتين متفرجين.

    عدّي رجالك عدي من هذا لذاك لا رجاء فيكم، ولا نفع يُرجى.



    اما شعرا فنقول .

    وين العقول؟ وين الكبار؟ وين أهل الفَهم والقرار؟
    صار النادي ملعب واحد يتحكم فيه زعيم الانتصار
    يخطف إنجازات غيره، ويصرّخ: أنا الأساس، وأنا اللي أقرّر مَن يصير على الكرسي الكبار

    والناس؟ سكوتهم عار
    دكاترة ساكتين ومهندسين واقفين
    وحتى ركّاب الخيل، سايرين
    وأبو زنوبة مقطوعة واقف جنب الحيط، وماسك يلعب في مناخيره!

    عدّي رجالك عدّي
    من هاظاك لهظاك
    ما ظلّ فيكم فايدة، ولا بصيص أمل يُردّي.




    مليح هيك؟[/COLOR][/FONT]

    تعليق


    • #3
      كنت في القاهرة قبل فترة، وجلست في مقهى شعبي تتدلى من سقفه مصابيح صفراء خافتة، تختلط رائحتها برائحة القهوة الثقيلة والدخان المتصاعد في صبر. كان المقهى مزدحمًا، لكن ما لفت انتباهي أن في كل زاوية يجلس الزمن نعم، الزمن نفسه، على هيئة رجال عجائز.

      في الزاوية الأولى، يجلس شيخ يحدّق في فنجان قهوة فارغ، كأنه يقرأ تاريخ عمره في خطوط البن المترسبة. في الزاوية الثانية، عجوز آخر يدخن الشيشة ببطء، ينفث الدخان كما لو كان يحرر أيامه الماضية، وكل نفس يطلقه يحمل حكاية قديمة عن حب لم يكتمل أو حلم ظل معلقًا على جدران قلبه.

      في الزاوية الثالثة، كان هناك رجل أصلع الرأس يحدّث رفيقه عن زمن كان فيه كل شيء أجمل، يضحك ثم يسعل سعالاً طويلاً يذكره أن الشباب لم يعد هنا.

      أدركت حينها أن الزمن ليس ساعات تُعلّق على الجدران، بل هو وجوههم المتغضنة، ضحكاتهم المبحوحة، وعيونهم التي تحمل ألف حكاية عن القاهرة عن ليالٍ مضت، وقطارات فاتتهم، ورسائل لم تُكتب أبدًا.

      كان المقهى مزدحمًا بالعجائز، لكنه فارغ من الضجيج. كل منهم يجلس كحارس لزاويته، وكأنهم يحرسون بقايا أيامهم بين فناجين القهوة وعلب السجائر الفارغة. خرجت وأنا أشعر أنني مررت على تاريخ لا يُكتب في كتب، بل يُحكى همسًا في زوايا مقهى.

      خرجت من المقهى
      وفي أذني بقيت كلمات أم كلثوم تهمس:
      فليكن ليلنا هذا طويلًا طويلًا.

      تعليق


      • #4
        [FONT=""][COLOR=""]مما قرأت قديماً لمحمود درويش:

        لديّ ما يكفي من الذكريات
        لأشرب قهوتي وحدي
        في مقهى يظنه الجميع فارغاً
        لكنه يغصّ بالغائبين.
        ولأن النادل لم يقتنع بوجودهم
        أحضر لي فنجاناً واحداً فقط..!
        لكني اعتدتُ أن آخذ منه رشفةً واحدة،
        والباقي لهم واحداً واحداً،
        هكذا إلى أن ينتهي الفنجان
        فأنهضُ بهم،
        أرتبهم في ذاكرتي، كلٌ في مكانه،
        وأعود إلى البيت واحداً يكتظّ بالآخرين.
        أُدندِن: وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان




        كانت جميلة عندما قرأتها
        لكن عندما عشت وصف محمود درويش، لم أجدها جميلة بقدر ما هي مؤلمة
        أكثر ما أخشاه أن يأتي يوم أنسى فيه الذكريات.
        لستُ ممن يتمسكون بالماضي،
        لكن ذكرياتي ترسم ابتسامة على وجهي،
        وأخشى أن أنتهي عابسًا دون أن أعرف لماذا.[/COLOR][/FONT]

        تعليق

        عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
        يعمل...
        X