حينَ أقمرَ اللّيلُ في رؤوسِ الرجال

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حينَ أقمرَ اللّيلُ في رؤوسِ الرجال

    تقول العربُ عمّن بدأ الشيبُ يغزو رأسه: "فلانٌ أقمرَ ليله"؛ يا لها من صورةٍ بليغةٍ تُلبِس الشَّيبَ ثوبًا من نور، وتكسوهُ مسحةً من الجمال الهادئ. وكأنّ الليلَ، وقد أسدلَ ستارهُ الداكن، لم يلبثْ أن تزيَّنَ بالبدرِ المضيء، فيستحيلُ السوادُ ضياءً، وتُصبحُ الوقارُ أجملَ ملامحِ الكهولة.

    ولم تكتفِ البلاغةُ العربيّةُ بتجميلِ صورة الشيب، بل جاء الإسلام ليُضفي عليه مهابةً إيمانيّة ومعنًى ربانيًا. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
    "الشيب نور المؤمن، لا يشيب رجلٌ شيبةً في الإسلام إلا كانت له بكل شيبة حسنة، ورُفِع بها درجة".
    فيا له من فضلٍ عظيم، يجعلُ من كل شعرةٍ بيضاء وسامًا يُرفع به العبدُ درجةً في ميزان الله، لا لحُسنِ مظهرٍ ولا لزينةٍ دنيوية، بل لما تحمله من أثر العبادة، وصبر الأيام، وثبات القلب على طريق الإيمان.

    وقد عبّر عن هذا المعنى أيضًا الفنان العراقي ناظم الغزالي في أغنيته الشهيرة "عيرتني بالشيب"، حيث قال:

    "عيرتني بالشيب وهو وقار
    ليتها عيرت بما هو عار
    إن تكن شابت الذوائب مني
    فالليالي تزينها الأقمار"

    هذه الأبيات، التي كتبها الخليفة العباسي المستنجد بالله، تُبرز كيف أن الشيب ليس عيبًا يُعاب عليه، بل هو وقارٌ وجمالٌ يُزين الإنسان كما تُزين الأقمارُ الليالي.

    فإذا رأيتَ وجهًا خطّه الشيب، فلا تقل "قد شاخ"، بل قُل: "أقمرَ ليله"، ونوَّر الله قلبه، وزاد في ميزانه.
    هو الشيبُ إذًا، ليس انطفاءً، بل إشراقٌ من نور، وارتقاءٌ في السُّموّ، وخطوةٌ نحو مقامٍ أسمى.

    ومحدثكم أبو أوس، وقد غزاه الشيبُ منذ زمن، يشهدُ أن الشيبَ ليس سوى قَمرٍ أضاء ليله، ومرايا صامتة لحكايا السنوات، فيها من الصبر، ومن التجربة، ومن الحُلم، ما يفوق وصف القلم. فالشيبُ ليس إعلانًا عن أفول، بل إشراقةُ عقلٍ، وسموُّ قلبٍ، ونورُ روحٍ عرفت الطريق وسارت فيه بثبات.

    فطوبى لمن أقمرَ ليله، ونوّر الله طريقه، وبلغَ من العمر موضع الوقار والبر
عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X