في زمنٍ مضى، كانت الزرقاء مدينة صغيرة، بيوتها من الطين والقصيب، وأحياؤها تحمل ملامح أهلها وطيبتهم. من حي المعانية وحي الشوام، إلى العمامرة، الشيشان، معصوم، حي الضباط، الغويرية، والحي الشمالي والجنوبي. حدودها معروفة: شمالاً حتى الحاووز، وغربًا حي معصوم، وجنوبًا حتى حي الضباط والحسبة ونادي ضباط الجيش العربي، أما من الجنوب، فكان مدخل الزرقاء لوحة طبيعية مذهلة، تصطف فيها أشجار السرو التي غرستها يد رئيس البلدية الراحل بهاء الدين عبد الله، فتظلل الطريق وتنشر عبيرًا هادئًا في الأجواء.
وكان سيل الزرقاء في ذلك الوقت يجري نظيفًا، تحيط به أشجار الدفلى، والحور، والتوت، والمشمش، والجوز، ومصاطب مزروعة بالخس والشومر والسبانخ، تضفي عليه حلة خضراء جميلة. شرق المدينة كان يحتضن مستشفى التضميد، وسكة القطار، ومعسكرات الجيش العربي، حيث كان للجيش حضوره وروحه التي تتغلغل في المدينة.
ما يميز الزرقاء آنذاك أن الناس فيها يعرفون بعضهم البعض، العلاقات كانت بسيطة، والمودة هي الأصل، فالكل يسلم على الكل، وتُرد التحية بمودة حقيقية. الشوارع تُرش صيفًا بالماء لتلطيف الجو، بواسطة صهريج مزود بمرشات خلفية، تنبعث منه رائحة الأرض المبللة التي تأسر الحواس. النساء والأطفال ينظفون الباحات، والرضا مرسوم على وجوههم، رغم بساطة الحال وقلة الإمكانات.
صباحات الزرقاء كانت مفعمة بالحياة، من نافذتك ترى الجنود والعمال والموظفين يتوجهون لأعمالهم، بعضهم يمشي، وآخرون ينتظرون الباص، وصوت بائع الكعك يصدح: "كعك وبيض يا كريم"، أما المساء، فموعد الناس مع الأسواق، والمشي في شارع الجيش وشارع السعادة، حيث باعة الذرة المشوية والمسلوقة يلفون الحبات بورق خشن، يتذوقها الناس بمتعة تختلف من يوم لآخر.
وفي الزوايا، بائعو السمسمية والفستقية، والترمس والفول النابت، يزينون صوانيهم بالبقدونس والكمون. أما السينما فكانت وجهة محبي الفن، في سينما الحسين، سلوى، النصر، والصيفية ذات السقف المفتوح على النجوم. هناك عُرضت أروع الأفلام الأجنبية والعربية والهندية، من "صوت الموسيقى" و"وادي الملوك"، إلى "سنجام" و"الحب الكبير"، و"تائه في الصحراء" الذي أبكى القلوب وترك أثراً لا يُنسى.
وكان الصيف يعني التصييف، تنظيف البيوت، غسل السجاد، إخراج الملابس الصيفية، وتعزيل الزوايا، وعودة المثلجات بكل أنواعها: كازوز، أيمة، ديربي، والبريمو. عربات البوظة الخشبية المزركشة، وبسكوت البوظة الملون، كانت تبث البهجة في قلوب الصغار.
الزرقاء لم تكن مجرد مدينة، بل كانت روحًا نابضة بالحياة، تفاصيلها تسكن القلب، وذكرياتها لا تمحى، بل تزداد جمالًا كلما عبرنا عليها في ذاكرة الحنين.
وكان سيل الزرقاء في ذلك الوقت يجري نظيفًا، تحيط به أشجار الدفلى، والحور، والتوت، والمشمش، والجوز، ومصاطب مزروعة بالخس والشومر والسبانخ، تضفي عليه حلة خضراء جميلة. شرق المدينة كان يحتضن مستشفى التضميد، وسكة القطار، ومعسكرات الجيش العربي، حيث كان للجيش حضوره وروحه التي تتغلغل في المدينة.
ما يميز الزرقاء آنذاك أن الناس فيها يعرفون بعضهم البعض، العلاقات كانت بسيطة، والمودة هي الأصل، فالكل يسلم على الكل، وتُرد التحية بمودة حقيقية. الشوارع تُرش صيفًا بالماء لتلطيف الجو، بواسطة صهريج مزود بمرشات خلفية، تنبعث منه رائحة الأرض المبللة التي تأسر الحواس. النساء والأطفال ينظفون الباحات، والرضا مرسوم على وجوههم، رغم بساطة الحال وقلة الإمكانات.
صباحات الزرقاء كانت مفعمة بالحياة، من نافذتك ترى الجنود والعمال والموظفين يتوجهون لأعمالهم، بعضهم يمشي، وآخرون ينتظرون الباص، وصوت بائع الكعك يصدح: "كعك وبيض يا كريم"، أما المساء، فموعد الناس مع الأسواق، والمشي في شارع الجيش وشارع السعادة، حيث باعة الذرة المشوية والمسلوقة يلفون الحبات بورق خشن، يتذوقها الناس بمتعة تختلف من يوم لآخر.
وفي الزوايا، بائعو السمسمية والفستقية، والترمس والفول النابت، يزينون صوانيهم بالبقدونس والكمون. أما السينما فكانت وجهة محبي الفن، في سينما الحسين، سلوى، النصر، والصيفية ذات السقف المفتوح على النجوم. هناك عُرضت أروع الأفلام الأجنبية والعربية والهندية، من "صوت الموسيقى" و"وادي الملوك"، إلى "سنجام" و"الحب الكبير"، و"تائه في الصحراء" الذي أبكى القلوب وترك أثراً لا يُنسى.
وكان الصيف يعني التصييف، تنظيف البيوت، غسل السجاد، إخراج الملابس الصيفية، وتعزيل الزوايا، وعودة المثلجات بكل أنواعها: كازوز، أيمة، ديربي، والبريمو. عربات البوظة الخشبية المزركشة، وبسكوت البوظة الملون، كانت تبث البهجة في قلوب الصغار.
الزرقاء لم تكن مجرد مدينة، بل كانت روحًا نابضة بالحياة، تفاصيلها تسكن القلب، وذكرياتها لا تمحى، بل تزداد جمالًا كلما عبرنا عليها في ذاكرة الحنين.

تعليق