طز يا أفندم!
كان البحارة العرب الذين يتنقلون بين موانئ البحر الأحمر إبان الحكم العثماني بحمولاتهم من التبغ والبن والتوابل والعطور، ما أن يروا مفتش الجمارك التركي في طريقهم حتى يصيحوا بصوت واحد:
ـ طز يا افندم طز.
وطز بالتركي تعني الملح، وقد كان السلعة الوحيدة المعفاة من الرسوم الجمركية لضآلة شأنها، فيفتح لهم سمسم التركي أبوابه ويمضون.
ورحل الأتراك من ديارنا العربية، ونسوا وهم يحملون متاعهم في ركابهم أن يأخذوا «طزهم» معهم، وتركوها لنا تسرح وتمرح سنوات طويلة، وقد تمكنت بحكم العيش و«الطز» والعشرة أن تدخل القاموس العربي الشعبي من أوسع صفحاته، وغدت المفردة التي يصعب أن تجد بديلا لها في الكثير من المواقف الانفعالية، فحينما يقول لك خصمك سأريك نجوم الليل في عز الظهيرة بدون نظارة شمسية، فلا تجد شيئا تتوكأ عليه للتقليل من شأن تهديده سوى الاستعانة بتلك الـ«طز» التركية. وليت الأتراك أخذوا «طزهم» معهم عند الرحيل، ولم يخلفوا لنا هذه الكلمة التي غدت شعار استهتارنا العربي بكل شيء، فلقد قالوا لصدام: إن العالم قد أرسل إليك فلذات أكباده لمحاربتك، فأشهر في وجوههم سيف الـ«طز» ولم يبال.. يومها ربما ظن الأميركان أن «طز» في القاموس العربي الشعبي تعني «أسلحة دمار شامل»، ففتشوا عنها بعد الاحتلال طويلا دون أن يعثروا عليها، فلقد كانت فص «طز» وذاب. ولو كنت مسؤولا لمنعت هذه الـ«طز» من التداول، فلقد اقترنت هذه الكلمة بجل خلافاتنا العائلية والاجتماعية والدولية، فنحن نلوك هذه الـ«طز» في اليوم الواحد مئات المرات حتى أصبنا جميعا بضغط الدم باعتبار الـ«الطز» أحد الأبيضين الأكثر خطورة في طعامنا، وهما: الملح والسكر.
وفي أحد اللقاءات الثقافية العربية أراد مندوب من إحدى الدول المغاربية أن يمتدح عيون سيدة عضو في وفد دولة مشارقية فنعتها بعيون «الجحشة»، ففجرت تلك السيدة في وجهه سلسلة من الـ«طزات» السريعة الطلقات، وفوجئ المسكين بهذا الهجوم الكاسح لأن عيون الجحشة في تقديره لا تعتبر سبة بحال من الأحوال، فلقد برر قوله بأن عيون «الجحشة» كحيلة ناعسة، ولم يحل الإشكال إلا ذهاب وفد من المثقفين لمعاينة عيون الجحشة على الطبيعة في إحدى الزرائب القريبة، ليتأكدوا بالفعل أن عيون الجحشة تستحق أن ينثر عليها شيء من الـ«طز» خشية الحسد لأنها جميلة حقا، وارتضت السيدة العربية «المشارقية» بالحكم، وقدمت اعتذارها وقد سحبت كل «طزاتها» المبعثرة في فضاء المكان.
وأخيرا: إذا أردنا السلامة من كلمة «طز» هذه المشاكسة المناكفة المخاتلة فلا بد أن نمنحها تأشيرة خروج بلا عودة من قاموسنا الشعبي، وأن نقول في وداعها: «ألف طز يا حمد»!
كان البحارة العرب الذين يتنقلون بين موانئ البحر الأحمر إبان الحكم العثماني بحمولاتهم من التبغ والبن والتوابل والعطور، ما أن يروا مفتش الجمارك التركي في طريقهم حتى يصيحوا بصوت واحد:
ـ طز يا افندم طز.
وطز بالتركي تعني الملح، وقد كان السلعة الوحيدة المعفاة من الرسوم الجمركية لضآلة شأنها، فيفتح لهم سمسم التركي أبوابه ويمضون.
ورحل الأتراك من ديارنا العربية، ونسوا وهم يحملون متاعهم في ركابهم أن يأخذوا «طزهم» معهم، وتركوها لنا تسرح وتمرح سنوات طويلة، وقد تمكنت بحكم العيش و«الطز» والعشرة أن تدخل القاموس العربي الشعبي من أوسع صفحاته، وغدت المفردة التي يصعب أن تجد بديلا لها في الكثير من المواقف الانفعالية، فحينما يقول لك خصمك سأريك نجوم الليل في عز الظهيرة بدون نظارة شمسية، فلا تجد شيئا تتوكأ عليه للتقليل من شأن تهديده سوى الاستعانة بتلك الـ«طز» التركية. وليت الأتراك أخذوا «طزهم» معهم عند الرحيل، ولم يخلفوا لنا هذه الكلمة التي غدت شعار استهتارنا العربي بكل شيء، فلقد قالوا لصدام: إن العالم قد أرسل إليك فلذات أكباده لمحاربتك، فأشهر في وجوههم سيف الـ«طز» ولم يبال.. يومها ربما ظن الأميركان أن «طز» في القاموس العربي الشعبي تعني «أسلحة دمار شامل»، ففتشوا عنها بعد الاحتلال طويلا دون أن يعثروا عليها، فلقد كانت فص «طز» وذاب. ولو كنت مسؤولا لمنعت هذه الـ«طز» من التداول، فلقد اقترنت هذه الكلمة بجل خلافاتنا العائلية والاجتماعية والدولية، فنحن نلوك هذه الـ«طز» في اليوم الواحد مئات المرات حتى أصبنا جميعا بضغط الدم باعتبار الـ«الطز» أحد الأبيضين الأكثر خطورة في طعامنا، وهما: الملح والسكر.
وفي أحد اللقاءات الثقافية العربية أراد مندوب من إحدى الدول المغاربية أن يمتدح عيون سيدة عضو في وفد دولة مشارقية فنعتها بعيون «الجحشة»، ففجرت تلك السيدة في وجهه سلسلة من الـ«طزات» السريعة الطلقات، وفوجئ المسكين بهذا الهجوم الكاسح لأن عيون الجحشة في تقديره لا تعتبر سبة بحال من الأحوال، فلقد برر قوله بأن عيون «الجحشة» كحيلة ناعسة، ولم يحل الإشكال إلا ذهاب وفد من المثقفين لمعاينة عيون الجحشة على الطبيعة في إحدى الزرائب القريبة، ليتأكدوا بالفعل أن عيون الجحشة تستحق أن ينثر عليها شيء من الـ«طز» خشية الحسد لأنها جميلة حقا، وارتضت السيدة العربية «المشارقية» بالحكم، وقدمت اعتذارها وقد سحبت كل «طزاتها» المبعثرة في فضاء المكان.
وأخيرا: إذا أردنا السلامة من كلمة «طز» هذه المشاكسة المناكفة المخاتلة فلا بد أن نمنحها تأشيرة خروج بلا عودة من قاموسنا الشعبي، وأن نقول في وداعها: «ألف طز يا حمد»!

تعليق