في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، يوم كانت مضاربنا منصوبة في زيزيا، غير بعيدٍ عمّا صار اليوم مطار الملكة علياء، وبالقرب من وادي العندفان، كانت الحياة أبسط من أن تُقاس، وأقسى من أن تُنسى. ونحن مطرفين عن القرية “شوي”، لا نكاد نُرى إلا لمن يعرف الطريق.
زارنا خالي، وهو ضيف عزيز على قلب والدي، والضيف في تلك الأيام كان بركة تمشي على قدمين. تأخر الغداء، لا ترفًا ولا تكاسلًا، بل لأن الذبيحة كانت جديًا على لبن أمه، بزبدة بلدية، وخبز شراك طالع من النار مباشرة. لم نكن نعرف الرز، ولا نعترف به أصلًا؛ فهو عنصر دخيل على المنسف، فالعيش – القمح المجروش – هو الأصل، وهو العِشرة وهو القِوام. التقديم كان في “صحن المعجن”، الذي نعجن فيه ونأكل فيه، ولم نعرف السدور، فذاك ترف لا لزوم له.
غسلنا على الضيوف، واستُخدمت صابونة “لوكس” واحدة، مخصصة للضيوف فقط، ومعها بشكير وحيد، لم نشتريه بل جاء هدية من قريبٍ في القوات المسلحة. انبسط خالي، ومعه أبو سالم وبعض الجيران، وبعد ساعة “أعطونا الخلف” وعادوا من حيث أتوا، إلى القرية ليقضوا ليلتهم هناك؛ فهم معازيبه كما هو معزبهم في زيزيا.
حين خلا البيت، جاء دورنا نحن أهل الدار. أكلنا ما تبقى من الذبيحة، ثم طبخت والدتي الكرشة، وهي أكلتي المفضلة قبل أن يأتي زمن تُغسل فيه الكرشة ألف مرة، فلا يبقى فيها طعم ولا روح. كنت أفضّل “أم الورق” – كما كنا نسميها – وهي جزء من الكرشة، لذيذة طرية، ومعها ظلاف الذبيحة التي تلتف حولها المصارين. غُسلت غسيلاً “شوط لوط”، كيفما اتفق، فالماء قليل، ولا عيب إن بقيت بقايا تعطي نكهة تسرّ آكليها من أمثالي.
أكلنا وشبعنا، وجاء وقت الغسيل. لم نطمح بصابونة اللوكس، فهي للضيف أو لحقاق الحظر فقط. غسلت يدي بالماء، ومسحتهما في الرواق – ذاك الجزء الخشن من بيت الشعر الذي يلتف حوله – فهو كفيل بإزالة بقايا اللحم والزفر. قرابة الثامنة مساءً، توجهت إلى المنام خارج بيت الشعر، أترصّد آخر الأخبار من صوت مونت كارلو. رغم صغر سني، كنت مستمعًا نهمًا، أتابع أخبار حرب العراق وإيران كأنني مراسل ميداني.
أغلقت الراديو، واستسلمت للنوم ويدي على قلبي؛ فالبواهش كثيرة، والعقارب لا تستأذن. بقي أثر الزفر على يدي وفمي، ومن باب الاحتياط وضعت إشال أمي على وجهي. لم تمضِ دقائق حتى سمعت نقرًا خفيفًا يقترب من عيني… وإذا بعقرب تسعى! صرخت بأعلى صوتي:
الحقوني!
ركض أخي ومعه اللوكس اليدوي، ذاك الذي يعمل بالبطاريات، ولحسن الحظ عثرنا عليها. كانت عقربًا صفراء، كبقرة بني إسرائيل، لكنها لا تسرّ الناظرين. قتلناها، وكانت أمي أول الفازعين، تولول كعادتها وتقول:
يا خانكي زمانكي… تراب طعامكي وعصاة موسى لجامكي!
طار النوم من عيني، وبعد قليل، وبعد أن غادرت أمي وأخي، أضأت اللوكس مرة أخرى… فإذا بعقرب أكبر من الأولى تهشّ راكضة باتجاهي. قتلناها أيضًا، وهنا قررت الرحيل فورًا إلى داخل بيت الشعر. أعدنا السهرة من جديد، فقالت أمي بحكمة لا تقبل النقاش:
يا وليدي، هضول العقارب لما الوحدة تموت بتفزع قرايبها وتقول: يا خالاتي يا عماتي، بني آدم ذبح وليداتي!
قلت متعجبًا:
– كيف تنادي وهي ميتة؟
قالت:
– يا وليدي، إنت بعدك لا تقرأ ولا تكتب، ولو تقرأ كان عرفت أكثر مني.
فقلت:
– والله يا يمه، والعلم عند الله، يمكن في تواصل بينهم، إشارة دائمة، إذا انقطعت عرفوا إنها ماتت وهرعوا للنجدة.
هزّت رأسها وقالت:
– والله كل شي بصير يا وليدي… معقول الكلام هذا موجود بالكتب وبالقرآن؟
قلت:
– والله ما أدري يا يمه.
فقالت بحسم:
– أخوك الكبير ترى مسقي “محوي”، ولا تؤثر فيه لدغات العقارب.
قلت بدهشة:
– كيف؟
قالت:
– وهو زغير، ذبحت عقرب وقليتها بسمن بلدي وأطعمتها إياه، وصار عنده مناعة!
لم أناقشها… خشيت أن تسقيني ضد الحيايا، وتذبح حنيشًا وتقليه بسمن بلدي وتطعمنيه “للوقاية”.
تلك أيام شقاء…
الله لا يعيدها،
رغم أنني، في ذلك الوقت، لم أكن أعرف معنى الشقاء.
كانت حياة قاسية، نعم،
لكنها صادقة،
وكان الخوف فيها حقيقيًا،
مثل الفرح تمامًا.