في مشهدٍ من المسرحية الشهيرة "شاهد مشفش حاجة", وقف "عادل إمام" على منصة الشهادة، وعندما سُئل عن القتيلة جارته، أجاب على استحياء. فسأله النائب العام: "كيف عرفت؟" فأجاب الشاهد: "الناس قالولو". حينها انتفض النائب العام ساخرًا غاضبًا: "كذا وكذا، والدليل: قالولووو!"
ذلك المشهد الكوميدي لم يكن مجرد نكتة مسرحية، بل أصبح وصفًا دقيقًا لثقافة متجذرة فينا نحن العرب، ثقافة "الأذن" قبل العقل، و*"الببغاء"* قبل الكتاب، ثقافة تصدر الأحكام بناء على ما يُقال، لا ما يُفهم، ولا ما يُقرأ.
كم من الجرائم الفكرية الكبرى وقعت ضحاياها قمم شاهقة من الفكر والعلم، بسبب هذه الثقافة "السمعية" البغيضة!
ذلك الذي طعن نجيب محفوظ، قيل له إنه كافر.
والذي أطلق الرصاص على فرج فودة، قالوا له إنه عدو الإسلام.
والذين كفروا نصر حامد أبو زيد، لم يقرأوا كتابًا له، ولا سطرًا من اجتهاده.
هؤلاء لم يجتهدوا في قراءة، أو تفكير، أو حوار. إنما اكتفوا بما "قالولو".
والنتيجة: خنجر في صدر شيخ عجوز يتوكأ على عصاه، ورصاصات تغتال قلمًا كتب من أجل التنوير لا التجديف، ومئات المفكرين والكتّاب الذين أُهينوا، شُتموا، أو نُفوا... دون أن يقترب أحد من كتبهم أو أفكارهم.
هكذا تم تشويه طه حسين، وتجريم علي عبد الرازق، وتكفير خالد محمد خالد، وطرد ابن رشد، الذي لولاه لما نهضت أوروبا عقلًا وفلسفة.
ابن رشد، الذي قال قولته العميقة: "لا ترمِ نورك في حفلة موسيقية"... لم يجد من يلتقط نوره.
نحن، أبناء ثقافة الصوت العالي، نعاني من ضمائر مستريحة، تسبّ وتلعن وتحاكم وتقتل بلا دليل، إلا "قالولو".
وحق للغرب أن يسمينا "ظاهرة صوتية"، لأننا لا نملك أكثر من الصوت... ولا شيء أكثر.
---
من المسرح إلى الملعب: "قالولو" مرة أخرى!
ولأن هذه الثقافة لا تقتصر على الفكر والكتب، بل تتسرب إلى كل مفاصل حياتنا، فإننا نجد صداها حتى في تفاصيل رياضية.
في مقابلة إذاعية أجراها خالد الخطاطبة عبر صوت الغد، تحدث حارسنا الدولي السابق الكابتن باسم تيم، رئيس لجنة التفاوض السابقة في نادي الوحدات. كان حديثه واضحًا، صريحًا، شفافًا، كما عهدناه دومًا، وهو أحد من ساهموا في النقلة النوعية للوحدات.
ضحكت بمرارة حين روى الكابتن باسم قصة قديمة خلال تدريب المصري الكابتن محمد عمر للفريق.
أحد الإداريين -المُدلّل كما يبدو على ظهر النادي- طلب اجتماعًا طارئًا مع الكابتنين.
وقال بكل ثقة لباسـم: "رجاءً، لا تتدخل بالجانب الإداري، اهتم فقط بالفني، فلكل مجال أهله!"
ردّ باسم بكل مهنية:
"وضّح لي رجاءً، ما هي الأمور الإدارية التي تقصدها؟"
فأجاب الإداري الجهبذ:
"والله ما بعرف... بس قالولو!"
نعم، قالولو.
ذات العقلية، ذات الثقافة، نفس الجريمة... ولو تعددت الساحات، فالنتيجة واحدة:
كفاءة تُقصى، وجهل يُكرّم.
الكابتن باسم خارج النادي منذ سنوات، وذلك الإداري ما زال يتمدد بظلّه على ظهر نادٍ كبير، يدفع ثمن ثقافة "قالولو".
---
بين مَن طعن نجيب محفوظ، ومَن طرد باسم تيم، خيطٌ واحد:
"قالولو".
خيط خنق العقل، وقتل الفهم، وشوّه الأجيال، وتركنا جميعًا أسرى لما يقال، لا لما يعقل.
فمتى نكف عن أن نكون أبناء "قالولو"؟
ومتى ننتقل من "شاهد مشفش حاجة"... إلى "قارئ وعارف وفاهم كل حاجة"؟
ذلك المشهد الكوميدي لم يكن مجرد نكتة مسرحية، بل أصبح وصفًا دقيقًا لثقافة متجذرة فينا نحن العرب، ثقافة "الأذن" قبل العقل، و*"الببغاء"* قبل الكتاب، ثقافة تصدر الأحكام بناء على ما يُقال، لا ما يُفهم، ولا ما يُقرأ.
كم من الجرائم الفكرية الكبرى وقعت ضحاياها قمم شاهقة من الفكر والعلم، بسبب هذه الثقافة "السمعية" البغيضة!
ذلك الذي طعن نجيب محفوظ، قيل له إنه كافر.
والذي أطلق الرصاص على فرج فودة، قالوا له إنه عدو الإسلام.
والذين كفروا نصر حامد أبو زيد، لم يقرأوا كتابًا له، ولا سطرًا من اجتهاده.
هؤلاء لم يجتهدوا في قراءة، أو تفكير، أو حوار. إنما اكتفوا بما "قالولو".
والنتيجة: خنجر في صدر شيخ عجوز يتوكأ على عصاه، ورصاصات تغتال قلمًا كتب من أجل التنوير لا التجديف، ومئات المفكرين والكتّاب الذين أُهينوا، شُتموا، أو نُفوا... دون أن يقترب أحد من كتبهم أو أفكارهم.
هكذا تم تشويه طه حسين، وتجريم علي عبد الرازق، وتكفير خالد محمد خالد، وطرد ابن رشد، الذي لولاه لما نهضت أوروبا عقلًا وفلسفة.
ابن رشد، الذي قال قولته العميقة: "لا ترمِ نورك في حفلة موسيقية"... لم يجد من يلتقط نوره.
نحن، أبناء ثقافة الصوت العالي، نعاني من ضمائر مستريحة، تسبّ وتلعن وتحاكم وتقتل بلا دليل، إلا "قالولو".
وحق للغرب أن يسمينا "ظاهرة صوتية"، لأننا لا نملك أكثر من الصوت... ولا شيء أكثر.
---
من المسرح إلى الملعب: "قالولو" مرة أخرى!
ولأن هذه الثقافة لا تقتصر على الفكر والكتب، بل تتسرب إلى كل مفاصل حياتنا، فإننا نجد صداها حتى في تفاصيل رياضية.
في مقابلة إذاعية أجراها خالد الخطاطبة عبر صوت الغد، تحدث حارسنا الدولي السابق الكابتن باسم تيم، رئيس لجنة التفاوض السابقة في نادي الوحدات. كان حديثه واضحًا، صريحًا، شفافًا، كما عهدناه دومًا، وهو أحد من ساهموا في النقلة النوعية للوحدات.
ضحكت بمرارة حين روى الكابتن باسم قصة قديمة خلال تدريب المصري الكابتن محمد عمر للفريق.
أحد الإداريين -المُدلّل كما يبدو على ظهر النادي- طلب اجتماعًا طارئًا مع الكابتنين.
وقال بكل ثقة لباسـم: "رجاءً، لا تتدخل بالجانب الإداري، اهتم فقط بالفني، فلكل مجال أهله!"
ردّ باسم بكل مهنية:
"وضّح لي رجاءً، ما هي الأمور الإدارية التي تقصدها؟"
فأجاب الإداري الجهبذ:
"والله ما بعرف... بس قالولو!"
نعم، قالولو.
ذات العقلية، ذات الثقافة، نفس الجريمة... ولو تعددت الساحات، فالنتيجة واحدة:
كفاءة تُقصى، وجهل يُكرّم.
الكابتن باسم خارج النادي منذ سنوات، وذلك الإداري ما زال يتمدد بظلّه على ظهر نادٍ كبير، يدفع ثمن ثقافة "قالولو".
---
بين مَن طعن نجيب محفوظ، ومَن طرد باسم تيم، خيطٌ واحد:
"قالولو".
خيط خنق العقل، وقتل الفهم، وشوّه الأجيال، وتركنا جميعًا أسرى لما يقال، لا لما يعقل.
فمتى نكف عن أن نكون أبناء "قالولو"؟
ومتى ننتقل من "شاهد مشفش حاجة"... إلى "قارئ وعارف وفاهم كل حاجة"؟

تعليق