"أغنيات الغربة.. حين تصبح الطيور رسل الشوق وألحان الوطن تداوي القلوب"

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • "أغنيات الغربة.. حين تصبح الطيور رسل الشوق وألحان الوطن تداوي القلوب"

    في كل مطار قصة، وفي كل حقيبة مسافر حنين مدفون بين طيات الثياب. هناك، عند بوابات السفر، تتعانق الدموع بالابتسامات، وتعلو أصوات المحركات وهي تحمل أحلامًا إلى البعيد، وأرواحًا ثقيلة بالشوق إلى القريب. الغربة ليست فقط مكانًا نغادر إليه، بل حالة تندسّ في القلب، تسكنه كل مساء، كلما أطلّ صوت عبر المذياع يغني للوطن، أو مرّ طير مهاجر في السماء.

    ما أغرب هذا الشعور حين تكون بعيدًا عن حاراتك، عن رائحة الخبز في الصباح، وضجيج الأطفال عند أبواب البيوت، وحين تحاول التظاهر بالقوة، تأتي أغنية من زمن جميل لتكشف هشاشتك، فتغمر روحك بذكريات كانت دافئة كحضن الأم. الأغنيات وحدها تملك تلك القدرة العجيبة على اختصار آلاف الأميال، لتعيدك إلى هناك، إلى البيت، إلى شارع الطفولة، إلى كل الأسماء التي تركتها خلفك مضطرًا.

    حين يعلو صوت الطائرة في السماء، لا يسمعه المغترب كضجيج محركات فقط، بل كنبض قلب يذكّره بكل وداع، وكل مطار، وكل حقائب حملت أحلامه وغربته معًا. في تلك اللحظات، يصبح للأغنيات وقع السحر، فهي الوحيدة القادرة على أن تسافر أسرع من أي طائرة، لتعانق قلب المسافر، وترش على جروحه شيئًا من بلسم الحنين.

    ومن بين تلك الأغنيات التي بقيت حيّة في الوجدان عبر العقود، تتربع رائعة نجاة الصغيرة "وبعتنا مع الطير المسافر جواب"، بألحانها الشجية وكلماتها التي تحمل الشوق والعِتاب والتراب من أرض الأجداد، وزهرة من الوادي، كأنها رسائل حب معلّقة على جناحي حمامة بيضاء. وعندما تشدو:
    "حبايبنا عاملين إيه في الغربة؟ مرتاحين ولا تعبانين؟ فرحانين ولا زعلانين؟ مشتاقين ليكم مشتاقين؟"
    تنفجر مشاعر المهاجر كنبع قديم، ويغلبه البكاء حتى تتبلل وسادة وحدته.

    الغربة كانت ولا تزال مادة خامًا للشعراء والموسيقيين، من محمد عبدالوهاب وهو يناجي المسافر وحده:
    "يا مسافر وحدك وفايتني خايف للغربة تحلالك، والبعد يغير أحوالك"
    إلى وردة الجزائرية التي تُرجع كل مشاعر الانتظار بصدقها حين تغني: "يومين وتغيب سنة وبلاش تفارق".

    أما عبدالحليم حافظ، فغنّى بصوت مثقل بالخذلان:
    "سافر من غير وداع، فات في قلبي جراحه، دبت في ليل السهر، والعيون ما ارتاحوا".
    وكأن الليل ذاته كان يسمع معه ويردد الأنين.

    وفي لبنان، وضع وديع الصافي وفريد الأطرش بصمة مميزة لأغاني المغتربين عبر رائعة: "عا الله تعود يا ضايع في ديار الله"، وهي أغنية تفيض حزنًا حتى تكاد تسمع معها صدى أقدام المغادرين على بلاط المطار، وعيونهم متعلقة بلوحة "المغادرة".

    ولم تكُن شادية بعيدة عن هذا الموج العاطفي؛ فحين تغني:
    "خلاص مسافر"، أو: "قولوا لعين الشمس ما تحماشي لحسن حبيب القلب صابح ماشي"، تجبر القلوب على ارتداء وشاح الشوق، بينما يذوب المغتربون بين ذكريات الشوارع والحارات والبيوت الدافئة التي تركوها وراءهم.

    وهناك أيضًا نفحات شامية بطعم الياسمين، حين غنّت شادية:
    "يا طيره طيري يا حمامه، روحي على بر السلامه، هاتيلي من إيدن علامه"، كلمات ترسم صورة الطيور كرسل سلام بين قلب المهاجر والوطن.

    أما فلسطين الجريحة، فقد بقيت حاضرة في أصوات المذيعين عبر أثير إذاعة عمّان، حين كانت رسائل الشوق تُقرأ والقلوب في الضفة وغزة والشتات تبكي على وقع صوت كوثر النشاشيبي، وفواصل فيروزية مثل: "جايبلي سلام عصفور الحمام، ويا جبل اللي بعيد خلفك حبايبنا".

    حتى دريد لحام، بأسلوبه الذي يمزج بين الشجن والدعابة، أهدانا رائعة:
    "الله محي شوارعك يا بلادنا المعمورة"، لتصبح نشيدًا لكل من يشتاق إلى حارات طفولته وأصوات الجيران عند أبواب البيوت.

    ولا ننسى أغنيات فرح السفر القصير مثل:
    فهد بلان في "لركب حدك يا الموتور"، حيث يتحول السفر إلى مغامرة طفولية مليئة باللهفة. أو ناديا مصطفى وهي تداعب القلب بمرح: "سلامات سلامات يا حبيبنا يا بلديات".

    أما العودة، فهي لحظة مجد للقلوب المتعبة، ولها أغنياتها أيضًا؛ مثل رائعة دلال الشمالي: "يا مأمور إلي في المطار أعطيني خط الإدارة". وتظل فيروز وحدها كافية لتعيد للمغترب إيمانه بالوطن حين تغني: "هيلا يا واسع هيلا مركبك راجع هيلا".

    هكذا، تبقى الأغاني وحدها جواز سفر للمشاعر، تحلّق فوق الحدود، وتجمع القلوب في حضن الذكريات. فهي ليست مجرد ألحان، بل أوطان صغيرة يحملها المسافر في قلبه، أينما حلّ وارتحل.
عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
يعمل...
X